باب الحديد فيلم من كلاسيكيات السينما المصرية.. علامة فارقة على تجربة جريئة لابداع متفرد.. وجبة درامية غنية.. صنعت بإيدى شباب مصريين.. مازالت تأثيراته وابداعاته تتجدد منذ انتاجه فى يوليو 1958 على يد جبرائيل تلحمى الخبير الذى اقتنع بموهبة المخرج الشاب يوسف شاهين.. العاشق لمدينة النور باريس بعد انتهاء دراسته فى الإسكندرية «ماريا» والاكاديميات الأمريكية شاب جمع بين موهبة الابداع والمغامرة.. بحث عن بداية غير مألوفة للتواجد فى عالم الشاشة الفضية.
فكر كثيرًا.. واعتقد أن التجديد هو الحل والطريق.. اختار الأماكن المفتوحة مكانًا لتنفيذ الفكرة وبعد لقاءات عديدة مع كاتب السيناريو عبد الحي أديب ومحمد أبو يوسف.. وجد ما يريد فى محطة السكة الحديدية.. باب الحديد.. حينما يلتقى القادمون من بحرى والصعيد.. فى عاصمة المحروسة.. كل له حكاية.. وهدف من المجىء.. لكن شاهين اختار التعبير عن هؤلاء المهمشين المتواجدين فى المحطة لخدمة المسافرين.
أقتحم عالمهم الخاص.. جعلهم أبطالاً لفيلمه الجديد.. الذى صنفته رقابة المصنفات الفنية تحت بند الجريمة لكنى آراه رومانسيًا برائحة الطين وملح الأرض.. هو أول الأبطال قناوى الاعرج بائع الجرائد المتواجد على رصيف المحطة ليل نهار.. والفاتنة هند رستم «هنومة» بائعة المشروبات الغازية للرواد وركاب القطار.. التى تحب أبوسريع فريد شوقى.. وحش الشاشة.. فى دور أبوسريع الشيال.. يمتزج عمله بين الإنسانية والفتونة ويبادلها الحب.. ويتفقان على الزواج.. بعلم عم مدبولى صاحب كشك السجائر صديق الجميع.. يسمع قناوى الخبر لا يصدقه إلا عندما يشاهد صندوق حاجات «هنومة» يشحن فى قطار البضائع.. تمهيدًا للسفر إلى قريتها لاتمام الزواج.
يرمق الأمور بعيون مملئوة بقلب المحبين.. وسط الاستثمار الرائع لتحركات أهل المحطة.. من ركاب ورواد وعاملين تسجلها الكاميرا فى لوحات بديعة.. بشكل لم يسبق له مثيل.. الصور تتكلم وتحكى وتبدع دراما إنسانية ومشاعر تتدفق.. وتستمر بكل حرية مثل الطيور المهاجرة فى الشتاء.. يكشف لنا المخرج عن علاقة ود صامتة تحملها هنومة لقناوى.. ولكنها ليست الحب على إية حال.. تبدى أسفها لاعتزامها ترك المحطة وناسها إلى مجتمع جديد.. بينما يستقبل المشاعر على موجة خاطئة.. يعترف بالحب ويطلب منها الزواج وترفض لأنها تحب أبو سريع.. واتفقا على الزواج.
هنا يتحول بائع الصحف الاعرج المسكين إلى شخص شرير ينتفض بقوة محاولا النيل منها فى عربة القطار الخالية من الركاب تحاول الهروب والمقاومة.. تتصاعد التراجيديا إلى محاولة للاغتصاب أسفل عجلات القطار الذى يستعد للرحيل بعد لحظات.. على الصراخ والعراك ومقاومة هنومة.. التى أدت دورها ببرعة بين هاجس الموت والاستسلام للذئب البشرى الذى سرعان ما فقد عقله.. رافضا نداءات جماهير المحطة الافراج عن الفريسة.. لكن العم مدبولى يتمكن بدهاء وحكمة فى اقناعه بترك الضحية واعدًا بأنها ستكون من نصيبه عروسًا فى فرح كبير.. ما أن يتركها حتى يتسلمه رجال مستشفى المجانين.. يلبسونه القميص ويتحركون وسط مقاومة بائسة وينتهى الفيلم الذى تظل ذاكرة المشاهد وأهل الدراما.. ويصبح من علامات السينما المصرية واشارة إلى مولد مخرج من نوع فريد.