كان الدكتور المحرصاوي- رحمه الله- له قدرة فريدة في فرز واختيار القيادات التي تعمل معه، ومن أهمها اختيار العمداء وقد لا حظ بعض الناس أن عددا من العمداء الذين اختارهم لقيادة عدد من الكليات كانوا زملاء له في مدة تعاقده في جامعة الملك خالد بالسعودية، وقد ظن بعض المتربصين بأنه يجامل هؤلاء الزملاء، والله يشهد - وهو الآن بين يدي ربه- وأنا أشهد بأنه أبدا ما جامل أحدا من هؤلاء، بل كان وهو يختار يفكر كثيرا فيمن يختاره من كل الجوانب، من ناحية: القدرات الإدارية، واليد النظيفة، والجمع بين الحزم والمرونة، والحرص على القيادة بالحب وتجنب التصادم، وتوفر ملكة الابتكار، والقدرة على رفع كفاءة الكلية من خلال الجهود الذاتية التي تحتاج من العميد دراية في التعامل مع المجتمع المدني.
وبحكم عشرته الطويلة لزملائه في جامعة الملك خالد كان يختار منهم من تتحقق فيه تلك الصفات التي يعرفها فيهم، ومع ذلك كان منهم كثيرون لم يخترهم ولم يطلبهم، كما أنه - في ذات الوقت- اختار من غير زملائه ممن وجد فيهم هذه الصفات، والدليل على صحة اختياراته هذه النجاحات العظيمة التي حققتها الجامعة في عهده، وأذكر - وأنا كنت من المقربين إليه على المستوى الشخصي- أنني إذا وقعت في خطإ يسير جدا يكون قاسيا في معاتبتي والأخذ على يدي، وكنت أقْبل منه ذلك؛ لأنني أعرف قصده ومنهجه في الإدارة، وأذكر له: بأنه قد نبهني ذات مرة على شيء بخصوص مؤتمر الكلية الذي عقد في عهدي، ولم ألتزم بما قال لاختلافي معه في وجهة النظر، فلما اكتشف ذلك عاتبني بشدة في أثناء انعقاد مجلس الجامعة وأمام كل الزملاء، ومع ذلك تركني أنفذ ما ارتأيته.
ومن ملكاته الإدارية، أنه كان يتمسك بمن يختاره لأي منصب، ومهما حاولت تلك القيادة أن تطلب إعفاءها لأي ظرف من الظروف كان يرفض وبشدة لثقته في الشخص الذي اختاره، والذي بذل جهدا مضنيا من أجل الوصول إليه.
ومما أذكره كمثال على ذلك أن الأستاذة الدكتورة سعاد يوسف عيسى، قد رشحها لعميدة كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالقاهرة كي تختارها وكيلة لشئون الطلاب والتعليم لثقته في جديتها وحزمها وإخلاصها في عملها، وبعد مدة من عملها جاءته تلتمس منه إعفاءها من المنصب لظروف خاصة بها، ولكنه رفض طلبها رفضا قاطعا، ولما كررت الطلب مرات متعددة ولم يستجب لها اضطرت - بحكم قرابتي بها- أن توسطني في الأمر. فلما كلمته، قال لي : -وهو يتأسف- ماذا سيكون حال الجامعة لو أن كل قيادة جادة مبدعة طلبت إعفاءها؟! ثم طلب مني أن أقنعها بأن تستمر في عملها، واستمرت فعلا حتى أحيلت إلى التقاعد، تقديرا واحتراما لرأيه- رحمه الله-.
كما أذكر أن الدكتور أحمد عيد تلميذ الدكتور المحرصاوي، ووكيل كلية اللغة العربية الحالي، قد كلفه بالإشراف على المواد الإسلامية بكلية الدراسات الإنسانية للبنات بالقاهرة ثقة في كفاءته وإخلاصه، وبعد عدة شهور مر بظروف خاصة، وحاول كثيرا أن يعتذر عن المهمة ولكن الدكتور المحرصاوي كان يرفض طلبه بشدة؛ لأن الكلية في هذا الجانب تحتاج إلى شخصية جادة متفانية في عملها نظرا لكثرة أعداد الطالبات بها، والدكتور أحمد عيد تتحقق فيه هذه الصفات، فاضطر إلى أن يطلب وساطتي له عند الدكتور المحرصاوي ولاقتناعي بظروفه كلمته فعلا، فرفض رفضا باتا وبعد محاولات لإقناعه، قال لي: على شرط: أن تقوم أنت بالمهمة بدلا منه، فقلت له: أنا أُشرف على مواد كلية اللغات والترجمة، قال لي: اللغات والترجمة أعداد طلابها قليلة، وسوف آتي لها بمن يشرف عليها، حاولت أن أثنيه عن هذا التعديل ولكنه رفض، وأصر على انتقالي إلى كلية الدراسات الإنسانية، وأعفى الدكتور أحمد عيد مؤقتا من هذه المسئولية.
وأمثال تلك القصص والحكايات في اختياره للقيادات كثيرة متعددة، وكلها تنبئ عن عقلية إدارية فريدة، وأنه لم يكن يجامل أحدا بالمناصب، وإنما كان يختار الشخص المناسب في المكان المناسب وفق مواصفات خاصة وضعها لنفسه ويبني عليها اختياراته الموضوعية.
رحمك الله أبا خالد وأسكنك فسيح جناته.
