إن أعظم ما يُستعاذ بالله منه (جلد الفاجر وعجز الثقات) فهاتان الآفتان من أشد ما يُفسد على الناس دينهم ، ويهدم عليهم دنياهم ، ويُضيع حقوقهم، ويجعلهم مسخاً بعد حُسن ٍ .
أما جلد الفاجر : فشَرّهُ كبيرٌ وخطرهُ مستطير لأنه يتزين بثوب القوة، ويتسلح بسلاح الفصاحة والدهاء، فيُخيل إلى السامع أنه الحقُّ المبين، وهو في حقيقته الباطلُ المزين ؛ لأن الفاجر إذا تَجلَّد تشبَّه بالأجْواد في قوتهم وثباتهم ، وصار كالذئب في ثوب الراعي، يُغرِّر بضعفاء القلوب، ويُضلُّ ذوي النيات الطيبة بحيلته ولباقته.
وكم من باطلٍ زُيِّنَ بزخرف القول، فقُبِلَ؛ وكم من ظالمٍ تَستَّر بستار الجلد، فُعُظِّم! فالمصيبة ليست في فجور الفاجر فحسب، بل في قدرته على التمويه والتلبيس، حتى يُصبح الشرُّ في أعين الناس خيرًا، والضلالُ هدى!
ولقد حذَّر القرآن الكريم من هذا الداء الخفي، فقال تعالى: ( وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ )
فجلد الفاجر آفةٌ تُفسد الموازين، وتُشوِّه الحقائق، لأنها تمنح الباطل قوةَ الحق، وتُلبسه لباسَ الفضيلة.
فإذا اجتمع الفجورُ مع الجلد كان ذلك أعظمَ فتنةٍ على الضعفاء، وأكبرَ محنةٍ على الصادقين.
وأما (عجز الثقات) فهو الجانب الآخر من هذه المعادلة الكئيبة، حيث يفقد الأخيارُ قوتَهم، ويُصابون بالتردد والوهن، فيُضيِّعون حقوقهم وحقوق غيرهم.
والعجزُ آفةٌ قاتلة، خاصةً إذا حلَّ بأهل الصدق والأمانة، فإنهم بذلك يتركون الساحةَ للفجار ليفعلوا ما يشاءون.
وكم من حقٍّ ضاع لأن أهله عجزوا عن المطالبة به! وكم من عدلٍ انتُهك لأن الثقاتَ سكتوا أو تقاعسوا!
إن العجزَ ضعفٌ في الفعل، واستسلامٌ للباطل، وتخاذلٌ عن نصرة الحق.
وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إن الله يبغض العاجز، ولو كان حريصًا على الخير"
فالعاجزُ الصامت عن الحق عونٌ للظالم دون قصد ، لأنه يترك المجالَ له حتى يمضي في غيِّه دون رادع.
فإذا اجتمع (جلد الفاجر) مع (عجز الثقات) كانت الكارثةُ الكبرى، حيث يَشيع الظلم، ويَضعف العدل، وتضيع الحكمةُ بين تهوُّرِ الأشرار وتخاذُلِ الأخيار ، وهذا ما دفع الحكماءَ إلى الاستعاذة بالله من هذين الداءين، فالأول يُلبس الباطلَ ثوبَ الحق، والثاني يُضيع الحقَّ بعد معرفته.
فاللهم إنا نعوذ بك من فتنة الفاجر المتمكن، الذي يُزيِّن سوء عمله، ونعوذ بك من عجز الثقة الواجم، الذي يقف مكتوفَ الأيدي أمام الباطل.
اجعلنا من الذين يقاومون الباطلَ بجلد الحق، وينصرون العدلَ بقوة الإيمان، ولا تجعلنا عونًا للظالمين، ولا عاجزين عن نصرة المظلومين.