ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

لا يكف صديقي عن إرسال الأدعية الدينية .
إنه يحفظ المناسبات الدينية جميعها ولديه مهارة يحسد عليها في اختيار الدعاء المناسب لكل مناسبة .
بالطبع هو لا يكتب الدعاء من عندياته بل يستخدم التقنية الحديثة التي اخترعها شخص ليست له أية علاقه بما ننقله نحن وأعني بها خاصية القص واللصق .
الأمر لا يكلف صديقي إلا بضع لحظات خلالها يمكنه أن ينقل مائة رسالة إلى مائة شخص بل ربما يصل عدد الرسائل إلى بضعة ألوف .
هذه هى إملاءات التقنية الحديثة التي نستخدمها بكل أريحية في هذه المناسبات .
صديقي لا يهتم سوى بالنقل .
فقط النقل وليس شىء سواه .
هو المنطقة الآمنة التي يجد نفسه فيها .
لا يحب أن يلج منطقة الأشواك التي يسميها العقل .
يصفها بأنها منطقة غير آمنة تأخذ الإنسان إلى مناحٍ بعيده محفوفة بالمخاطر .
في المقابل لا يحب صديقي أن يقحم نفسه في أي نقاش فكري يخرج عن بوتقة النقل .
هو يقرأ ويتابع لكنه يحجم في مثابرة عجيبة عن المشاركة بالرأي حتى ولو كان الرأي بصيغة الرفض أو النقد أو الهجوم .
لا يستطيع تحت أي ظرف مغادرة المنطقة الآمنة حتى ولو ساورته نفسه أحياناً ببعض الرفض لما يمكن أن يتناقض مع العقل إلا إنه سرعان ما يرتد سريعاً إلى "صوابه" يلوذ به من شر وساوس التفكير .
أظن أن صديقي هذا يمثل شريحة غير قليلة في المجتمع وأجدني لا أتجاوز الحقيقة إذا قلت أنه ربما يمثل الشريحة الأكبر في المجتمع .
انظر إلى سلوك الناس في حياتهم اليومية وانظر إلى محادثاتهم ونقاشاتهم  ستجد أن النقل يسيطر عليها سيطرة لا إرادية .
ستنطلق من أفواههم مأثورات لا سند لها وعبارات من أحاديث لا سند لها وحتى عندما يتم الاستدلال بمصادر قطعية الثبوت ستجد أن السلوك يخالفها . بل يضربها إن شئت القول .
أعلم أن هناك معان عظيمة حملتها نصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة تتعلق بالعدل والأمانة والصدق والأخلاق والتفكير والعلم والبحث والحوار والمشورة والنقاش والتسامح والرحمة وقبول الآخر وغيرها من القيم الإنسانية لكنها غائبة عن الواقع . غائبة عن حياتنا اليومية وتلك تناقضة كبرى تستحق التأمل والوقوف عندها .
أنا من الناس الذين يستوقفهم السلوك المجتمعي في محاولة لتحليل السلوك الإنساني .
لست قيم على الناس ولا أفضل من أحد لكنني أحاول بشتى الطرق أن أكون متسقاً مع نفسي حتى أتجنب أكثر المشاعر التي يمكن أن تؤلمني تلك التي أجدني فيها  متناقض مع ذاتي وأفكاري وما أؤمن به .
لا أبرئ نفسي بطبيعة الحال لكنني في صراع دائم معها وهذا في حد ذاته يرضيني على الأقل بعض الشيء .
كل ما أرجوه أن نفكر . نتوقف بعض الوقت عن النقل . ندقق فيما ننقل . نقرأ عن المنطق والفلسفة وهى من العلوم التي توجد إشارات كثيرة في القرآن الكريم على سبيل المثال مستها واقتربت منها بشدة ولعل رحلة بحث أبو الأنبياء إبراهيم عن الله تمثل أروع مثال لكيفية إعمال الفكر حتى أنني وقفت مشدوهاً أمام عبارة كتبها صديق لي ، هو في الحقيقة صديق الفكر . تقول العبارة أن نبي الله إبراهيم ربما كان أول فيلسوف على وجه الأرض ذلك لأنه أعمل العقل بحثاً عن الحقيقة والحكمة .
كل ما أرجوه ثانية أن نعمل الفكر فيما ننقل . أن نحاول أن نعبر عن إملاءات العقل والفكر والمنطق التى تولدها قرائحنا فتلك هبة عظيمة أنعم الله بها على الإنسان لكن كثير من الناس لا يعلم فضائلها . فلندرب أنفسنا بعض الشئ على مغادرة كهوف النقل وحينئذ سندرك أننا حجبنا عن أعينتا وعقولنا شمس مضيئة هي مُسخُّرة للإنسان قوامها العلم والفكر والحكمة والوجدان ووقتها لن نعود إلى تلك الكهوف مرة أخرى .

تم نسخ الرابط