ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

نجح الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبهدوء شديد، في إيصال رسائل سياسية قوية خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى مصر، في خطوة يمكن وصفها بأنها جزء من الحرب الباردة غير المُعلنة التي تخوضها مصر بذكاء ضد أطراف إقليمية ودولية تتغول على القضية الفلسطينية وعلى دور مصر التاريخي في المنطقة.

هذه الرسائل لم تكن موجهة فقط إلى أوروبا، بل وصلت بوضوح إلى الولايات المتحدة ورئيسها، وإلى رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. الرسائل جاءت بلغة بسيطة، وبدبلوماسية ميدانية فاعلة، لا تعتمد على التصريحات بقدر ما تعتمد على المشهد السياسي المتكامل الذي تم صناعته بعناية.

أحد أبرز مشاهد هذه الزيارة كان دخول ماكرون إلى مدينة العريش برفقة الرئيس المصري وقادة الجيش، وهي المدينة التي كانت لعقد من الزمن بؤرة ساخنة لتهديدات الجماعات المسلحة بسبب الهجمات المتكررة. اليوم، يدخلها رئيس فرنسا مطمئنًا، وسط حماية مصرية كاملة، لزيارة الجرحى الفلسطينيين الذين نقلوا من غزة، في مشهد يحمل الكثير من الدلالات السياسية والأمنية والإنسانية.

لكن اللحظة الأهم لم تكن في تحركات الوفد الرسمي، بل في كلمات أم فلسطينية عبّرت أمام ماكرون والسيسي عن امتنانها لمصر، وتمسكها بغزة كوطن لا بديل له، ومكان تتمنى أن تُدفن فيه. كلماتها البسيطة كانت أبلغ من عشرات الخطب، وهي من دون شك، نقلت صورة الفلسطيني الحقيقي الذي يتمسك بحق العودة والحياة، ووجّهت للعالم رسالة مختصرة مفادها أن شعبنا لا يبحث عن ملاذ مؤقت بل عن كرامة دائمة في وطنه.

السيسي، بهذه الزيارة، لم يكتفِ بدور الوسيط أو الداعم الإنساني، بل أعاد مصر إلى موقعها الطبيعي كفاعل إقليمي له كلمته وموقفه في لحظة شديدة الحساسية. لقد خلق حالة سياسية مضادة لما يُراد فرضه على غزة وفلسطين، وأثبت أن لمصر موقفًا لا يمكن تجاوزه.

وفي تتويج غير متوقع لهذه التحركات، أعلن الرئيس الفرنسي أنه قد يعترف بدولة فلسطين في يونيو المقبل، في تطور ربما لم يكن ليحدث لولا هذه الزيارة وما حملته من مشاهد ورسائل.

هكذا، وفي لحظة كادت أن تكون لحظة فقدان أمل، جاءت هذه الخطوة كضربة جزاء ذكية في الوقت القاتل. ضربة أعادت الاعتبار للقضية، ووضعت فلسطين مجددًا على الطاولة الدولية… وبصوت مصري.

أثبتت مصر مرة أخرى أن القوة ليست فقط في السلاح، بل في القدرة على صياغة المشهد، والتأثير في المواقف، وإعادة تعريف خطوط التماس السياسية والإنسانية. زيارة ماكرون، وإن كانت بروتوكولية في ظاهرها، تحولت بفعل الحنكة المصرية إلى حدث محوري أعاد الاعتبار لفلسطين، ولحق العودة، ولإرادة الشعوب.

ففي عالم يعج بالصخب الدبلوماسي والتصريحات المتكررة، جاء صوت أم فلسطينية مكلومة، وموقف مصري ثابت، ليقولا ما عجزت عنه المؤتمرات: “نحن هنا… ولن نغادر”

تم نسخ الرابط