حيثيات الحكم ببراءة قاتل والديه.. التفاصيل كاملة
العدالة فوق العاطفة: حيثيات حكم براءة قاتل والديه
أصدرت محكمة جنايات دمنهور برئاسة المستشار سامح عبد الله، حكمًا ببراءة عبد الرحمن السقا، المتهم بقتل والديه في كفر الدوار، استنادًا إلى إصابته بمرض الفصام العقلي. القرار أثار جدلًا واسعًا بين متفهم للحيثيات القانونية ومندهش من صدمة الواقعة، خاصة أن المحكمة رأت أن “العقوبة لا تُصلح من لا وعي له”
حيثيات الحكم الصادر ببراءة قاتل والديه.
باسم الشعب
أسباب الحكم الصادر بجلسة ٢٠١٩/٣/١٢
فى القضية رقم ٩١٠٩ لسنة ٢٠١٨ جنايات قسم كفر الدوار
والمقيدة برقم ٧٣٥ لسنة ٢٠١٨ جنايات كلى شمال دمنهور.
بعد تلاوة أمر الإحالة وسماع طبات النيابة العامة والمرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانوناً:
حيث إن النيابة العامة اتهمت عبد الرحمن أحمد حمدى محمد السقا
لأنه في يوم ٢٤ - ٦- ٢٠١٨ بدائرة قسم شرطة كفر الدوار محافظة البحيرة .
أولاً: قتل المجني عليهما ليلة حسين أبو صيرة وأحمد حمدى السقا (والديه) عمداً مع سبق الإصرار والترصد بأن بيت النية وعقد العزم على إزهاق روحهما وما أن انفرد بالمجني عليها الأولى (أمه) حتى تربص لها حال وجودها بدورة مياه المنزل لغسل الملابس فأحضر سكين المطبخ وغافلها ووجه إليها عدة طعنات في ظهرها وعند استغاثتها انهال عليها ضرباً بمقعد خشبى صغير كانت تجلس عليه فوق رأسها قاصداً من ذلك قتلها فأحدث بها الاصابات الثابتة بتقرير الصفة التشريحية والتي أودت بحياتها ثم ظل مترقباً قدوم المجني عليه الثانى (والده) للمنزل إلى أن عاد وما أن اتجه الأخير إلى غرفته حتى باغته المتهم بطعنه من الخلف وعندما استدار إليه المجنى عليه بادره بعدة طعنات في الصدر والبطن والعنق وأجزاء أخرى بجسده قاصداً من ذلك قتله فأحدث به الإصابات الثابتة بتقرير الصفة التشريحية والتي أودت بحياته على النحو المبين بالأوراق.
ثانياً: سرق المنقولات المبينة وصفاً وقيمة بالأوراق والمملوكة للمجنى عليهما من مسكنهما عقب اتمام جريمته محل الاتهام الأول.
ثالثاً: أحرز سلاح أبيض ( سكين) وأداة ( مقعد خشبي) مما تُستخدم في الاعتداء على الأشخاص دون أن يوجد لاحرازهما مسوغاً من الضرورة الشخصية أو الحرفية.
واحالته إلى هذه المحكمة وطلبت عقابه بالمواد ٢٣٠ ، ٢٣١ ، ٢٣٢ و ٣١٧/ أولاً من قانون العقوبات والمواد ١/١ ، ٢٥ مكرراً /١ ، ٣٠ /١ من القانون ٣٩٤ لسنة ١٩٥٤ المعدل والبندين ( ٦ و ٧) من الجدول الأول الملحق بالقانون الأول المعدل.
وركنت في اثباتها إلى شهادة مقدم/ ابراهيم عبد الحق ابراهيم النجار ومما ثبت من تقرير الصفة التشريحية.
فقد شهد مقدم/ ابراهيم عبد الحق ابراهيم النجار وكيل ادارة البحث الجنائي بمديرية أمن البحيرة أن تحرياته السرية توصلت إلى انتواء المتهم قتل المجنى عليهما على أثر خلافات متعددة بينه وبينهما بسبب مطالبته المتعددة لهما بمبالغ مالية لتعاطي المخدرات وكذلك لخلاف وقع بينه وبين شقيقه الأكبر محمود قبل ارتكابه الحادث بيوم انحاز فيه أبواه إلى شقيقه مما أوجد لديه الرغبة للإنتقام منهما وذلك بإزهاق روحهما, وإنه يوم حدوث الواقعة انتهز المتهم تواجده مع والدته المجنى عليها بمفردها حيث كانت بدورة المياه تقوم لغسل بعض الملابس وعدذاك قام بإحضار سكين من المطبخ ثم قام بطعنها في ظهرها وعقب ذلك قام بضربها بمقعد خشبي كانت تجلس فوقه ثم انهال به فوق رأسها حتى أجهز عليها ثم أنتزع قرطها الذهبي من أذنيها وقام بغسل آثار الدماء من سطح الأرض وكذلك غسل السكين أداة الجريمة من الدماء وأغلق عليها باب دورة المياه منتظراً والده المجنى عليه حتى عاد فحدثت مشادة بينهما بسبب طلب المتهم منه مبلغ نقدي فقام بطعنه هو الآخر بذات السكين بظهره وعندما استدار إليه المجنى عليه عاجله بضربات متفرقة بصدره وبطنه ووجهه ورقبته ثم قام بجره إلى دورة المياه بجانب جثة المجني عليها المسجاة فوق الأرض ، وأنه عقب ذلك أخذ هاتفي المجني عليهما ودفتر توفير المجنى عليها وبطاقتها الشخصية وغادر المنزل متجهاً إلى مدينة المنصورة حيث تم بضبطه هناك بأحد الأكمنة وعند سؤال المتهم أقر بارتكاب الواقعة على النحو السابق .
وثبت من تقرير الصفة التشريحية أن إصابات المجنى عليه أحمد حمدى محمد السقا حيوية حديثة طعنية وقطعية وغائرة ، كلاً منها ينشأ عن نصل آلة حادة أيَا كانت ويجوز حدوثها من مثل الحرز المرسل.
وأن إصابات المجنى عليها ليلة حسين أبو صيرة طعنية نافذة تنشأ عن نصل آلة حادة أيَا كانت ويجوز حدوثها من مثل سكين وكذلك رضية تنشأ عن المصادمة بجسم صلب راض أيَا كان ويجوز حدوثها من مثل الكرسي الخشبي موضوع الحرز المرسل.
وأن وفاة المذكورين تُعزى إلى إصابتهما الطعنية النافذة كل فيما يخصه بما أحدثته من تهتكات حيوية بالأحشاء الداخلية للصدر والبطن لكل منهما ، بالإضافة إلى أن وفاة المجنى عليه أحمد حمدى محمد السقا تُعزى أيضاً إلى إصابته القطعية الغائرة بالعنق بما أحدثته من قطع حيوى بالأوعية الدموية الرئيسية بيمين العنق وما صحب ذلك كله من نزيف غزير وصدمة لكل منهما علماً بأن أي من الإصابات كافية وحدها وفي ذاتها لإحداث وفاة المجنى عليهما وباقى إصاباتهم في حكم البسيطة ليس من شأنها إحداث الوفاة في حد ذاتها وكان قد مضى على الوفاة لحين التشريح مدة يصعب تحديدها على وجه الدقة وتقدر تقريباً بنحو يوم.
وحيث إنه باستجواب المتهم بتحقيقات النيابة أقر بأنه منذ سنتين وهو مريض نفسي وكان يتردد على الأطباء دون أن ينتظم في تلقي العلاج وأن أبواه المجنى عليهما كانا يتعاملان معه بطريقة قاسية ويرفضان إعطائه أية مبالغ مالية لاعتقادهما بأنه "مجنون" لأنه كان دائم الجلوس بمفرده وأنه قبل الواقعة بيومين تشاجر مع شقيقه الأكبر محمود بسبب اعتقاد الأخير أنه أخذ مفتاح شقة شقيقته وأن شقيقه قام بالتعدى عليه ضرباً على عينيه وأن والده المجنى عليه قام بضربه هو الآخر بسبب شجاره مع شقيقه وأنه يوم الواقعة انتهز فرصة تواجده بمفرده مع والدته المجنى عليها فقام بطعنها بسكين المطبخ بظهرها عندما كانت تقوم بغسل الملابس بدورة المياه ثم انهال فوق رأسها ضرباً " بمقعد حمام" خشبي حتى فارقت الحياة ثم تركها داخل دورة المياه بعدما أزال آثار الدماء من سطح الأرض ومن السكين الذى استخدمه في الاعتداء عليها وبعد ذلك انتزع قرطها الذهبي من أذنيها وظل منتظراً أباه حتى حضر إلى الشقة وما أن دار حديث بينهما حول طلبه مبلغ مالى منه "خمسة جنيهات" حتى انهال ضرباً عليه من ظهره بذات السكين ولما استدار المجنى عليه إليه أولاه الضربات بالسكين في صدره وبطنه ورقبته حتى أجهز عليه هو الآخر ثم قام بجره إلى داخل غرفة المياه بجانب المجنى عليها وبعد ذلك أخذ هاتفي المجني عليهما ودفتر توفير المجنى عليها وبطاقته الشخصية وسافر إلى مدينة المنصورة بحثاً عن عمل حتى تم القبض عليه هناك بمعرفة رجال الشرطة.
وحيث إنه بجلسة المحاكمة حضر المتهم منكراً ما نسب إليه والدفاع الحاضر معه طلب عرضه على لجنة من خبراء الطب النفسي لكونه مريض نفسياً وغير مسئول عن أفعاله والمحكمة بذات الجلسة حكمت وقبل الفصل في موضوع الدعوى بإيداع المتهم إحدى دور الصحة النفسية الحكومية بمحافظة الإسكندرية تحت الملاحظة لمدة خمسة وأربعون يوماً وتوقيع الكشف الطبى عليه بمعرفة اللجنة الطبية المختصة لبيان ما إذا كان المتهم يعاني من أية أضطرابات نفسية أو عقلية أفقدته القدرة على الإدراك وقت ارتكاب الجريمة وما بعدها وبيان مدى مسئوليته عن أفعاله.
وحيث أن اللجنة المختصة من الاستشاريين النفسيين قد أودعت تقريرها حيث ثبت منه النقاط الجوهرية التالية:
١- أن الاختبارات النفسية للمتهم أظهرت ارتفاعاً ملحوظاً في مؤشر الذهان والإجرام.
٢- المتهم كان داخل القسم منطوي لا يتكلم مع أحد - متعاون إلى حد ما- يلزم فراشه معظم الوقت لا يهتم بنظافته الشخصية ولوحظ أحياناً أنه يتكلم مع نفسه . شهيته عادية ونومه كثير ولا توجد عليه أي مظاهر عنف ولم يقم بعمل "مشاكل" مع الآخرين .
٣- بتوقيع الكشف الطبي والنفسي على المتهمم من قبل اللجنة تبين أنه واع هادئ متجاوب إلى حد ما. مهمل في مظهره ونظافته الشخصية منعزل ، قليل النشاط الحركي والنفسي مدرك للزمان والمكان والأشخاص ، ذاكرته للأحداث القريبة والبعيدة لابأس بها ، تركيزه وانتباهه قليل متبلد المشاعر مع نوبات من الضحك غير المبرر، كلامه قليل مفهوم ومترابط ، يعانى من ضلالات الاضطهاد والإشارة والعظمة ، لديه هلاوس سمعية غير مستبصر بمرضه وحكمه على الأمور مضطرب.
٤- من مناظرة لجنة الفحص للمتهم عدة مرات فرادى ومجتمعين أثناء تواجده بوحدة الطب النفسى بمستشفى المعمورة للصحة النفسية تحت الملاحظة ومراجعة الملف الطبي وملاحظات التمريض وملف القضية والاطلاع على وصفات طبية علاجية من عيادات خاصة تبين للجنة أنه يعانى من مرض عقلي ( فصام ضلالي) وأنه قبل ارتكابه الواقعة وأثناءها كان تحت تأثير الضلالات اعتقاداً منه أن المجنى عليهما كانا يضراه ويقوما بايذائه بالسحر وكذلك بالهلاوس التي تصور له أنهما – أي المجني عليهما – غير آدميين ووجههما قبيح وتصدر منهما روائح "نتنة" وأنه بعد أن فرغ من قتلهما سمع صوت تكبير من "ربنا " ( الله أكبر..الله أكبر)
" عشان هما كانا ظالمين "وأن الله نصره عليهما" كما أنه ليس لديه أي شعور بالذنب تجاه المجنى عليهما وينكر أنهما والديه وأنه غير مكترث وغير مدرك لعاقبة أفعاله مما يدل على عدم وجود استبصار لديه واضطراب فى حكمه على الأمور.
٥- خلصت اللجنة مما سبق أن المتهم عبد الرحمن أحمد حمدى محمد السقا يعاني من مرض الفصام الضلالي وهو مرض عقلي وأنه كان قبل وأثناء ارتكابه للواقعة تحت تأثير الضلالات والهلاوس المرضية التي أفقدته الإدراك والإختيار وعليه فهو غير مسئول عما ارتكبه وتوصى اللجنة بإيداعه إحدى مستشفيات الطب النفسي لمباشرة علاجه حتى تستقر حالته وتزول خطورة الأعراض المرضية لديه.
والدفاع الحاضر مع المتهم بذات الجلسة طلب براءته مما نسب إليه لعدم مسئوليته عن أفعاله وقدم حافظة مستندات طويت على صورة ضوئية من المحضر رقم ٣٩٩٦ لسنة ٢٠١٨ يتضمن أنه بتوقيع الكشف الطبى على المتهم ثبت أنه يعاني من نوبة هياج شديدة وذهان حاد ويحتاج للعلاج والعرض على استشارى نفسية وعصبية كما طويت الحافظة على صور ضوئية من تقارير طبية عن حالة المتهم وبعض وصفات علاجية صادرة عن استشاريين نفسيين.
وحيث إن المحكمة تُقدم لأسباب قضائها بالقول أن
الاعتراف هو إقرار المتهم على نفسه بارتكاب التهمة المنسوبة إليه.
ولقد استقر قضاء محكمة النقض على حق محكمة الموضوع في الأخذ باقرار المتهم في حق نفسه في أى دور من أدوار التحقيق وأن ثمة شروط يجب أن تتحق لكى نستطيع أن نتحدث عن اعتراف بمعناه الصحيح تتمثل فى الآتى:
١- أن يكون المتهم قد أقر بارتكاب الجريمة المسندة إليه على نفسه.
٢- أن يأتي الاعتراف في أي دور من أدوار التحقيق سواء التحقيق الابتدائي الذى تجريه النيابة العامة أو التحقيق النهائي الذي تجريه محكمة الموضوع.
٣- أن يكون الاعتراف صريحاً لا يحتمل تأويلاً في ارتكاب الواقعة المسندة إلى المتهم ومن ثم فلا يجوز استنتاج الاعتراف.
٤- أن يكون صادراً عن إرادة حرة ، فالاعتراف الذى يُعول عليه يجب أن يأتي اختياراً خالياً من الضغط أو الاكراه سواء كان إكراهاً مادياً أو معنوياً.
وأما بشأن تقدير الاعتراف فإنه إذا لم يستكمل سائر شروطه السابقة بطل الدليل المستمد منه وعلى القاضي أن يطرحه ولا يعول عليه أما إذا كان الاعتراف مستكملاً شرائط صحته فإنه يخضع لتقدير محكمة الموضوع التى لها وحدها كامل الحرية في تقدير صحته وقيمته في الإثبات ، ومعنى ذلك أن الاعتراف ليس دليلاً حسابياً يلتزم به القاضي بمجرد أن يستكمل شرائطة بل عليه أن يلتمس فيه الحقيقة والصدق والاتساق مع سياق الدعوى وواقعاتها فلا يصح أن يأتي الاعتراف مثل نغمٍ نشاذ لا تستسيغ الآذان سماعه.
و لا يصح وكما تقول محكمة النقض " تأثيم إنسان ولو بناء على اعترافه بلسانه أو بكتابته متى كان ذلك مخالفاً للحقيقة والواقع" ولذلك كان من الواجب دوماً أن يؤخذ الاعتراف بشئ كبير من الحذر وعدم التعويل عليه إلا بعد أن تطمئن المحكمة تمام الاطمئنان أنه جاء صحيحاً منسجماً مع الأدلة الأخرى فى الدعوى.
ولقد أرست محكمة النقض في العديد من أحكامها ما يمكن أن نقول عنه أنه معياراً هادياً تستطيع أن تشق معه محكمة الموضوع طريقها نحو الاعتداد بالاعتراف كدليلٍ فى الدعوى أو طرحه إذ تقول فى شأن ذلك: " لما كان من المقرر أن الاعتراف في المسائل الجنائية عنصر من عناصر الاستدلال التي تملك محكمة الموضوع كامل الحرية في تقدير صحتها وقيمتها في الإثبات وأن سلطتها مطلقة في الأخذ بأقوال المتهم في حق نفسه وفي حق غيره من المتهمين في أي دور من أدوار التحقيق وإن عدل عنها بعد ذلك ما دامت قد اطمأنت إلى صدقها ومطابقتها للحقيقة والواقع"
والحقيقة أن تقدير اعتراف المتهم ( شأنه شأن غيره من الوقائع التى تُعرض على محكمة الموضوع) لا يأتي دون ضابط رغم الحديث عن سلطة المحكمة المطلقة إذ يجب أن تبنى محكمة الموضوع قناعتها على أسباب سائغة صادقة تتطابق مع الواقع والحقيقة وهو لزاماً عليها ، فلا اطمئنان مطلق كما يمكن أن توحي العبارات لكنه اطمئنان منضبط تصل إليه المحكمة بطريق الاستنتاج ومن كافة الممكنات العقلية مادام سليماً متفقاً مع حكم العقل والمنطق وله سند وأساس صحيح في الأوراق.
وأما بشأن تقدير أعمال الخبرة فإنه من المقرر أن لمحكمة الموضوع كامل السلطة فى تقدير القوة التدليلية لعناصر الدعوى على بساط البحث وهي الخبير الأعلى في كل ما تستطيع أن تفصل فيه بنفسها وأن سلطة المحكمة هذه فى تقدير القوة التدليلية لعناصر الدعوى شرطه أن لا تكون المسألة المطروحة من المسائل الفنية البحتة التي لا تستطيع المحكمة أن تشق طريقها لإبداء الرأي فيها إذ تكون المحكمة بالنسبة لهذه المسائل ملزمة بندب خبير حتى ولو سكت الدفاع عن طلب دعوة أهل الفن صراحة إذ يجب على المحكمة أن تتخذ ما تراه من الوسائل لتحقيقها بلوغاً إلى غاية الأمر فيها بتحقيق هذا الدفاع الجوهرى عن طريق المختص فنياً وإلا كان حكمها معيباً بالقصور فضلاً عن اخلاله بحق الدفاع.
وأنه فى شأن تقدير تحريات الشرطة فإنه من المقر أن تقدير جدية التحريات وكفايتها هو من المسائل الموضوعية التي يُوكل الأمر فيها إلى محكمة الموضوع.
وحيث إنه لما كان ذلك وكانت المحكمة عند أولى جلسات المحاكمة قد استجابت لطلب الدفاع و انتدبت لجنة مختصة من الاستشاريين النفسيين لتوقيع الكشف الطبي على المتهم على النحو الذى جاء به الحكم التمهيدى المذكور آنفاً وكان تقدير اللجنة قد انتهى إلى أن المتهم غير مسئول عما ارتكبه من وقائع لإصابته بمرض عقلي هو الفصام الضلالى قبل وأثناء الواقعة على نحو ما أثبتته المحكمة تفصيلاً وكانت المحكمة قد اطمئنت إلى النتيجة التي خلص إليها تقرير اللجنة نظراً لسلامة أعماله واتساقها مع النتيجة التى خلص إليها ومن ثم فإن المحكمة تأخذ به و لا تعتد بإقرار المتهم على نفسه بتحقيقات النيابة إذ جاء ذلك الإقرار غير منزهاً من العيوب التى من شأنها أعدمت إرادته على النحو الذى أشار إليه تقرير اللجنة حيث أقدم المتهم على الجريمة تحت تأثير الضلالات اعتقاداً منه أن المجنى عليهما يضراه بالسحر وكذلك بالهلاوس التي صورت له أنهما غير آدميين إلى آخر ما جاء بتقرير الخبراء.كما لا تعتد المحكمة بتحريات الشرطة وبشهادة مجريها وقد اصطدمت مع النتيجة التي أوردها تقرير الخبرة الفنية مما تطرحها المحكمة ولا تأخذ بها.
وحيث إنه لما كان ذلك وكان من المقرر بنص المادة ٦٢ من قانون العقوبات المستبدلة بالقانون ٧١ لسنة ٢٠٠٩ أنه " لا يسأل جنائياً الشخص الذي يعاني وقت ارتكاب الجريمة من اضطراب نفسي أو عقلي أفقده الإدراك أو الاختيار .."
والمعنى الجلى من ذلك النص أنه لا يكفي لقيام المسؤولية الجنائية على عاتق مرتكب الفعل الجرمى أن يكون إنساناً وإنما يلزم أن يكون مرتكب الفعل وقت ارتكابه متمتعاً بالبلوغ والوعى وهما الدعامتان اللتان يقوم عليهما الوعى والإرادة، وهذا معناه أنه يلزم أن يكون مرتكب الفعل وقت ارتكابه متمتعاً بالملكات الذهنية والعقلية التي تسمح له بإدراك معنى الجريمة ومعنى العقوبة وتدفعه بالتالى إلى الاختيار بين الإقدام على الجرم وبين الإحجام عنه فلا يُعقل أن يُحكم على أحد بعقوبة ما لم يكن قد أقدم على الفعل بشعور واختيار عن وعى وإرادة وليس من مصلحة الجماعة أبداً أن يُحاكم من كان فاقد الوعى والإرادة وقت ارتكاب الجريمة وإلا كان منظورنا إلى العقوبة أنها تعبياراً عن إنزال الألم بمقترفها .. مجرد إنزال الألم به
وهذا ليس صحيح على الإطلاق.
إن العقوبة في جوهرها ردع وإصلاح وإذا كانت كل السياسات العقابية الحديثة تنظر إلى العقوبة بوصفها أداة لإعادة التوازن بين الجريمة كشر وقع وبين العقوبة بما تتميز به من ردع وإصلاح وتهدئة لشعور العامة فإن تلك المعانى تذهب سدا عندما يدفع المجتمع بشخص فاقد الوعى والإدراك إلى العقاب مهما كان حجم الجرم الذى اقترفه.
ولقد أحسن المشرع المصري صنعاً عندما استبدل المادة -٦٢- من قانون العقوبات بالقانون ٧١ لسنة ٢٠٠٩ وأضاف المرض النفسي إلى المرض العقلي كمانع من موانع المسؤولية.
وحيث إنه لما كان ذلك وكانت المحكمة وهى في سبيلها لاستجلاء الحقيقة قد استجابت إلى طلب الدفاع بإحالة المتهم إلى لجنة من خبراء الطب النفسي للوقوف على مدى مسؤوليته عن أفعاله وقد ورد تقرير الطب النفسى (بعد وضع المتهم تحت الاختبار مدة خمسة وأربعون يوما) والمحرر من ثلاثة من الاستشاريين النفسيين يثبت أن المتهم يعانى من مرض عقلى ( فصام ضلالي) قبل ارتكاب الواقعة واثناءها وأنه غير مسئول عن أفعاله على النحو الذى سبق تفصيله.
وحيث إنه لما كان ذلك وكان من المقرر أن المرض العقلي الذى يوصف بأنه جنون أو عاهة فى العقل وتنعدم به المسئولية طبقاً لنص المادة -٦٢- من قانون العقوبات هو ذلك المرض الذى من شأنه يعدم الإدراك, الأمر الذى لا تجد معه المحكمة سبيلاً سوى أن تقضى ببراءة المتهم لإنتفاء مسئوليته الجنائية وإيداعه إحدى المصحات العقلية حتى يُعاد له رشده.
لقد رُفع عنه القلم وكان لزاماً على المحكمة أن ترفع قلمها عنه.
و المحكمة إذ تقضى ببراءة المتهم مما نُسب إليه لا يغرب عنها ذلك الجرم الكبير الذى راح ضحيته أبوان قد وقعا ضحية لمرض تمكن من عقل ابنهما وفلذة كبدهما ففتك بهما دون أن يعلم أنه يمزق رحماً قد بُث فيه روحه وأحشاءً قد حملته ، ووريداً قد تشكلت دمائه منه.
إن المحكمة وهى تقضى بالبراءة فإنها تأسف لما حدث، قلقة مما يمكن أن يحدث مرات ومرات وطالما ظلت نظرة المجتمع المليئة بالسخرية للمريض العقلي والنفسي ناسيين ومتغافلين أن الفارق بين العقل والجنون هو مقدار سُمك شعرة وأن من مُتِّع بنعمة العقل لا يجب أبداً أن يسخر ممن ذهبت عنه.
إن هذه المأساة ما كانت لتقع لو كنَّا قد أدركنا العلاج في حينه وما تراخينا حتى استفحل المرض بالمتهم وصار وحش كاسر...! وها هى النتيجة: أبوان غارقان في دمائهما وابن فقد عقله ومجتمع يبدو أنه اعتاد ألا يفيق إلا بعد أن تقع الكارثة فتأخذه عاطفة من انفعال ثم لا يلبث حتى يعود إلى ثُباته ويالها من مأساة.
ومتى انتفت الإرادة انتفت المسئولية ومتى انتفت المسئولية عن الخير والشر انتفى معناهما ، والضمير كالخير والشر لا بد لوجوده من وجود الغير ، أى المجتمع ، فالإنسان الفرد المنعزل في جزيرة نائية يعيش بدون ضمير لأنه يعيش بدون ثلاثية الخير والشر والغير.
وإنه من المؤسف أن المجتمع الذى عزل هذا الإنسان عنه هو الذى يستدعيه الآن ليحاسبه.
إن هذا المجتمع الذي صنع سياجاً من العزلة بينه وبين فرد من أفراده وأصدر حكمه عليه بالدونية ليس من العدالة أن يأتي اليوم ليحاكمه مستنكراً فعلته ومستهجناً قسوته رافعاً شعار القصاص في مواجهة من فقد القدرة على التمييز بين الخير والشر.
إن هذا المجتمع في الحقيقة لا يجب أن نصغى إلية وطالما اختلت موازين حكمه وشُوهت رؤيته وانحرفت بوصلته.
إن الضمير الذى غاب عن المتهم كان له ما يبرره في مرض عقلي أحطَ بملكاته بحيث لم يعد قادراً على أن يلتقط خيطاً واحداً فى خيوط الضمير.
لكن الضمير الذى غاب عن المجتمع كيف نجد له من يبرره
أيُعقل أن تستعر بنا النيران ثم نظن ألا تحرقنا ..!
أيُعقل أن يستبد بنا الاضطهاد ثم لا نحسب أن الكراهية تتملكنا ..!
إن المحكمة ليس في ضميرها أن تقلب الآيات ولا في مرماها أن تجعل قفص الاتهام مثل تلك التي تتدرب فيها الوحوش الكاسرة لا عقاب يردعها ولا حائل بينها وبين أن تتنمر بمخالب الإجرام .
الأمر الذى تقضى معه المحكمة ومن جماع ما سبق وعملاً بالمادتين ٣٠٤/ ١ ، ٣٤٢ من قانون الإجراءات الجنائية ببراءة/ عبد الرحمن أحمد حمدى محمد السقا مما نسب إليه من اتهام وحجزه فى أحد المحال المعدة للأمراض العقلية لحين ورود تقرير يفيد أنه قد عاد إلى رشده.
فلهذه الأسباب:
حكمت المحكمة حضورياً ببراءة/
عبد الرحمن أحمد حمدى محمد السقا مما نسب إليه من اتهام وحجزه في أحد المحال المعدة للأمراض العقلية لحين ورود تقرير يفيد أنه عاد إلى رشده .