ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

مثلٌ عربيٌّ قديمٌ، يُضْرَبُ لمَنْ تكلَّفَ أمرًا لا يُحْسِنُه، فَأَساءَ الصَّنِيعَ، وقَصَّر في الأداءِ، وهو يُعْزَى إلى مالكِ بْنِ زيدِ مَناةَ، الذي كانَ من أكثرِ العربِ إبلًا، وكانَ حسنَ القيامِ عليها، رفيقًا بِها، فلمَّا تزوَّج ابنةَ عمِّه "النَّوَار" عَهِدَ إلى أخيه سَعْدٍ برعايةِ الإبلِ، فلم يُحْسن القيامَ عليها، وأخَلَّ بِالرِّفق بها، فهاجتْ، وتفرَّقتْ عنه، فلمَّا رآها أخوه قال:

أَوْرَدَهَا سَعْدٌ، وَسَعْدٌ مُشْتَمِلْ *** مَا هَكَذَا يَا سَعْدُ تُورَدُ الإِبِلْ!

وقد آثرتُ هذا العنوانَ بعد أنْ قهرتُ شيطاني الذي حسَّنَ في عينيَّ عناوينَ جارحةً مثل: سَلُّ النِّصَال على الأعْورِ الدَّجَّال، أو: تسديدُ العَوالِي في نَحْرِ سَعْد الهِلاليّ، أو: الصَّارمُ المَسْلول على المَأْفُونِ الجَهُول... أو غيرها؛ وأرجو أنْ أكونَ موضوعيًّا في مقامٍ لا تُسْتَحبُّ فيه الموضوعيَّة، وإنَّما يُسْتحبُّ فيه أنْ يُعَضَّ الأفَّاكُ بِهَنِ أبيهِ دُونَ كنايةٍ، وأنْ يُمَصَّ بَظْرَ الَّلاتِ، وأنْ يُوضَعَ على السَّفُّودِ، وأنْ يُرجَمَ كما يُرْجَمُ قَبْرُ أبي رِغَالٍ!

لمْ أتحاورْ مع "سعد الدين الهلاليّ" مباشرةً إلا مرَّةً واحدةً لدقائقَ معدودةٍ منذ بضْعِ سنواتٍ، على الرغم من تَجاوُرِ كليتَيْ اللغة العربيَّةِ والشريعةِ والقانونِ بالقاهرةِ، وقدْ ألفيْتُهُ يَوْمَها لا يُعْقَدُ عليه خِنْصرٌ، فَغَضَضْتُ عنْه الطَّرْفَ، وزَوَتْ بَيْنَ عَيْنَيَّ عَلَيْهِ المَحَاجِمُ.

أمَّا خبرُ المُحاورةِ، فقدْ اسْتَوْقَفَنِي يومًا أحدُ أساتذتي في المرحلةِ الثانويَّةِ، وسألني: ما تقولُ في رجلٍ ماتَ وتركَ: زوجةً وبنتًا وأختًا وابنَ ابنٍ مات والدهُ في حياة أبيه؟ فقلتُ: للزوجةِ الثُّمُنُ فرضًا، وللبنتِ النِّصْفُ فرضًا، ولابن الابن الباقي تَعْصيبًا، والأختُ محجوبةٌ بابن الابن. فقال: إنَّ فلانًا من المشايخ يُفْتي بأنَّ ابن الابن يأخذُ بالوصيَّةِ الواجبةِ فيما لا يزيدُ على الثُّلُثِ، ويجعلُ الأخْتَ مع البنْتِ عَصَبةً ويُعْطيهما الثُّلثَيْن؟! فقلتُ: هذا خطأ صريحٌ؛ لأنَّ ابن الابن هو العاصِبُ، وهو ليس محجوبًا بعمِّ له (ابن للمتوفَّى)، حتَّى يأخذَ بالوصيَّةِ الواجبةِ. قال: حسنًا، وإذا تمكنْتَ من سؤال أحد الأساتذة المتخصِّصين في الشريعة لمزيدٍ من التأكيد؛ فافعلْ. فقلت: أفعلُ إنْ شاء الله. وبعدها بيومٍ أو يومين كنتُ واقفًا على بابِ كليَّةِ الشَّريعةِ والقانونِ أنتظرُ الزميلَ الفقيهَ الثِّقةَ الدكتور عطيَّة فيَّاض؛ لزيارةِ مريضٍ، فأبصرْتُ سعد الدين الهلاليّ قادمًا، فقلت: أسألُهُ، فالفقهُ ميدانُه، فطرحتُ عليه المسألةَ، فقال: ابنُ الابن يأخذُ نصيبَ أبيه بالوصيَّةِ الواجبةِ فيما لا يزيدُ على الثُّلُثِ. فقلتُ له دون أنْ أُعرِّفَه بنفسي: يا مولانا، الوصيَّةُ الواجبة إنَّما شُرِعَتْ في حقِّ أبناءِ الابن أو البنتِ إذا كانوا مَحْجوبين بعمٍّ لهُمْ على قَيْدِ الحياةِ؛ حتى لا يجتمعَ عليهم اليُتْمُ والحرمانُ من الميراثِ. فقال: وما لكَ بتتكلّم بثقة كده؟! فقلتُ له: دَعْكَ من هذه الثِّقَةِ، فهذا ما تعلَّمْناه، وابنُ الابنِ هنا عاصبٌ صريحٌ، وليس محجوبًا، ففيم الوصيَّةُ الواجبةُ؟! قال: راجعْ قانون الوصيَّة الواجبة؛ لأنَّ فيه تفاصيلَ كثيرةً، ثم انطلقتْ به سيارتُهُ، وولَّى مُدْبرًا ولم يُعَقِّبْ. وجاء الدكتور عطيَّة فيَّاض وقصصْتُ عليه الخبر، فأيَّد كَلامي، فحمدْتُ الله، وَمَجَجْتُ كلامَ سَعْدٍ كما تُمَجُّ النُّخَامَةُ، وطَرحْتُه طَرْحَ القُلامةِ، وتَمَثَّلْتُ قولَ أبي نُواسٍ (ت198هـ):

قُلْ لِمَنْ يَدَّعِي سُلَيْمًا سَفَاهًا *** لَسْتَ مِنْهَا، وَلَا قُلَامَةَ ظُفْرِ

إِنَّمَا أَنْتَ مِنْ سُلَيْمٍ كَوَاوٍ *** أُلْحِقَتْ فِي الهِجَاءِ ظُلْمًا بِعَمْرِو

وليس من همِّي في هذا المقال أنْ أفنِّدَ دعاواه الفائلةَ في مَزْعَمِهِ البائرِ أنَّ قرار تونس الخَرْقاء لا الخضراء –كما سمَّيْتُها في خاطرةٍ سابقةٍ -بالمساواةِ في الإرثِ بين الرجلِ والمرأةِ صحيحٌ فِقْهًا، ولا يتعارضُ مع كلام الله! وليس من همِّي أيضًا أنْ أتحدَّثَ عن حكمةِ عدمِ المساواة في تلك الحالاتِ القليلةِ التي فيها للذَّكَر مثلُ حظِّ الأُنثيَيْن، ولا أنْ أُعَدِّدَ الحالاتِ التي يتساوى فيها الجنسان، وهي أكثر، ولا الحالاتِ التي يزيدُ فيها نصيبُ المرأةِ على الرجلِ، فكلُّها مما أفاضَ فيه العلماءُ المُخْتَصُّونَ، وكُسِرَتْ عليه مؤلفاتٌ يَتَداولُها النَّاسُ، ولكنَّنِي أقدِّمُ هوامشَ على دَفْترِ فِتْنةِ الهلاليِّ، ألخِّصها في عدَّةِ نِقاطٍ:

1- ليست المسألةُ من الفروع الفقهيَّة التي تحتملُ الاجتهادَ، ومن ثمَّ صوابَ المُجْتهدِ وَخَطَأَهُ، وإنَّما هي مسألةٌ تمسُّ صميمَ الإيمانِ، وتتعلَّقُ بلازمٍ من لوازمٍ التوحيد، وهو الحاكميَّة، التي تعني انفراد اللهِ بالتشريعِ في أمورٍ محسومةٍ صراحةً دون مواربةٍ، (وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الحِسَابِ)، وهذا يعني ضرورةَ التسليم المطلق لله، وعدمَ التعقيب على حكمه، والذي يعقِّبُ على الحكم كمن يزْعُمُ نقصًا في الحكمةِ الإلهيَّةِ، ويزعُمُ بعقله الكليل أنَّه سيَجْبُرُ ذلك النقص، أو يُصَوِّبُ ذلك الحكم. لكنَّ الأبْعدَ يَرْجُمُ بالغيب قائلًا: سَنَصِلُ إلى ما وصلتْ إليه تونس بعد عشرين عامًا من الآن! ويضربُ مثالًا غبيًّا بأسْرتَيْن أعطتْ إحداهما الذكرَ مثلَ حظِّ الأنْثيين، وأعطت الأخرى الأنثى مثل الذكر، ليقول: إنَّ الأسرةَ التي سوَّتْ بين الذَّكَرِ والأنثى أكثرُ تراحمًا وأكثرُ إرضاءً لله تعالى من الأسرةِ الأخْرى، وكأنَّ حكم الباجي السِّبْسي ومَنْ شَايَعَهُ من بني عِلْمان أرحمُ وأزكى من حكمِ الرَّحيمِ الرَّحْمنِ!

2 -المواريثُ الشرعيَّةُ من الأمورِ المُفَصَّلةِ والمحدَّدة بدقَّةٍ شديدةٍ إغلاقًا لبابِ الاجْتهادِ فيها، والنصُّ فيها قطعيُّ الثُّبوتِ والدَّلالةِ: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ)، قال الإمام أبو بكر بن العربيّ المالكيّ (ت543هـ): «اعْلَمُوا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ، وَعُمْدَةٌ مِنْ عُمُدِ الأَحْكَامِ، وَأُمٌّ مِنْ أُمَّهَاتِ الآيَاتِ؛ فَإِنَّ الفَرَائِضَ عَظِيمَةُ القَدْرِ حَتَّى إنَّهَا ثُلُثُ العِلْمِ»، ولو فتح بابُ التَّلاعُبِ بمثلِ هذه الأمورِ القطعيَّةِ ستجدُ مَنْ يجيزُ الجَمْع بين الأختين، أو يبيحُ نكاح البنت والأخت، أو يبطلُ عدَّةِ المرأة، أو يعبثُ بعددِ ركعاتِ الصلاةِ، أو توقيتِ الصيامِ، أو نصابِ الزكاةِ... وغيرها مما ثبت بنصوصٍ قطعيَّةٍ، يقفُ المُنْكِرُ لها أو المُتلاعبُ بها على شَفا الخُرُوجِ من المِلَّةِ، وما نَظنُّ أنَّ النقاش مُجْدٍ مع مَنْ وصل إلى هذا الحدِّ منَ التطرُّفِ الفِكْريّ، فكأنَّه يُطالبُنا بأنْ نُقيمَ دليلًا على وجودِ الشَّمْسِ وهي ساطعةٌ في كبدِ السَّماءِ، ورحِمَ اللهُ أبا الطيِّبِ (ت354هـ) حيثُ قال:

وَلَيْسَ يَصِحُّ فِي الأَفْهَامِ شَيْءٌ *** إِذَا احْتَاجَ النَّهَارُ إِلَى دَلِيلِ

3 -التَّلْبيسُ والتَّدْليس؛ فقد زعم زُورًا أنَّ مشايخ تونس أجازوا تلك المساواة، وهذا كذبٌ وتدليسٌ، فما أظنُّ شيخًا به مُسْكَةٌ من عقلٍ أو دينٍ يجترئُ على هذا الخَبالِ، وقد وقَّعَ علماءُ الزَّيْتونة في تونس، وأساتذةُ كلياتِ الشريعةِ بيانًا يقطعُ بحرمةِ هذه المساواةِ، وحرمةِ زواجِ المسلمةِ من غير المُسْلم، إلَّا إذا كان يقصدُ المُفْتيَ الحكوميَّ "عثمان بطِّيخ"، فالرَّجُلُ له من اسمه أوْفَى نَصيبٍ! ثم زعم أنَّ هناك فرقًا لغويًّا بين الحقِّ والواجبِ، وأنَّ الميراث حقٌّ لا واجبٌ، وكأنَّه غَفَلَ عن تسميةِ الفقهاءِ علمَ الميراثِ بعلمِ الفَرائضِ، تشبيهًا لتلك الحقوقِ الثابتةِ بفرائضِ الصلاةِ والصِّيامِ والزَّكاةِ، وقد تكرَّرَ في آياتِ الميراثِ غيرَ مرَّةٍ القطعُ بأنَّ تلك الحقوق فريضةٌ من الله، وأنَّها من حدود الله، والحقُّ والواجبُ في اللغة يدوران حول معاني الإحكامِ والثُّبوتِ واللُّزُومِ، وما أظنُّه يُناظِرُ في هذه المسألةِ أقلَّ عالمٍ من علماءِ اللغةِ إلا تَرَكَهُ مَنْ يناظرُهُ مَنْتُوفَ السِّبَالِ، مَصْفُوعَ القَذَالِ!

4 -ليستْ هذه هي المرَّةُ الأولى التي يخرج علينا الهلاليُّ بفتاوى شاذَّةٍ، وتصريحاتٍ صادمةٍ؛ فمنذ سنواتٍ أباحَ شرب الكحول والبيرة؛ لأنَّ التحريمَ مقصورٌ على الخَمْرِ المَصْنوعةِ من العنبِ! وادَّعى أنَّ الإسلامَ لا يُشْتَرطُ فيه شهادةُ أنَّ محمَّدًا رسولُ الله! وأفتى بأنَّ الراقصة إذا ماتتْ في طريق عملها فهي شهيدةٌ! وأنَّ أجرَ النَّادِلِ الذي يُقَدِّمُ الخُمورَ حلالٌ! بينما يَحْرُمُ على الشَّيْخِ أنْ يأخذ أجرًا على تحفيظ القرآن... إلى غيرها من المُوبقاتِ التي لا تَقْتَضِي العَزْلَ فحسبَ، بل تستلزمُ الحَجْرَ عليه، ولستُ أدري فيمَ يطمعُ؟ أيطمعُ أنْ يكونَ شيخًا للأزهرِ، ربَّما سوَّلتْ له نفسُهُ المَريضَةُ ذلك يومًا، فهو يلهثُ في هذهِ السَّبِيلِ، وما أظنُّ أنَّ أولي الأمْرِ من الغَباءِ حتَّى يُقْدِمُوا على خطوةٍ صادمةٍ كهذه!

5 -ثمَّةَ تساؤلٌ مشروعٌ: مَنْ يحمِي ذلك الشخصَ وأشباهَهُ من ذَوي العاهاتِ النفسيَّةِ والعقليَّةِ؟ فقد تكرَّرَتْ فَتاواهم الشاذَّةُ دون أنْ يمسَّهمْ أحدٌ بسوءٍ ماديٍّ أو معنويٍّ؟ وفي تقديري أنَّ هذه الفوضى مقصودةٌ لذاتها، من أجل مُشاغلةِ النَّاسِ من ناحيةٍ، وزعزعةِ الثوابتِ من ناحيةٍ أخرى، حتى يخرجَ جيلٌ يكفُرُ بهذه الفوضى، ويبحثُ عن ملاذٍ في دينٍ آخر، أو في تيهٍ بلا دِينٍ. وهي خطةٌ إبليسيَّةٌ مدروسةٌ لضربِ استقرارِ المجتمعاتِ الإسلاميَّةِ، ذلك الاستقرار الذي يتجاوزُ الأبعادَ السياسيَّة والأمنيَّة والاقتصاديَّة، ليضربَ في مقتلٍ الاستقرارَ النفسيَّ والروحيَّ، وهما عنصران مهمَّان في استقرار كلِّ مجتمعٍ رشيدٍ. ألا قاتل الله الفرنسيَّ جاك دريدا (1930-2004م) الذي لم تقتصرْ نظريَّتُهُ التفكيكيَّةُ على النَّقْدِ الأدبيِّ؛ لتخترقَ المشهدَ الدِّينيَّ مُحْدِثةً فيه تَشَظِّيًا مُروِّعًا لا يعلمُ عواقِبَهُ إلا الله!

6 -ازدواجيَّةُ المَعاييرِ؛ فقد أصدرتْ مشيخةُ الأزهرِ بيانًا جيِّدًا حولَ هذه المسألةِ، وإنْ رَكَنَ إلى العموميَّات من ناحيةٍ، وقرَّرَ أنَّه يحترم حريَّةَ إبداءِ الرأي من ناحيةٍ أُخْرى. والواقعُ أنَّ هناك عددًا غيرَ قليلٍ من أعضاءِ هيئةِ التَّدريسِ قد فُصِلوا إمَّا بسببِ آراءٍ لا تَرْضَى عنها المشيخةُ دينيًّا، وهي أقلُّ كثيرًا من هذا الفُجُورِ الفِكريِّ، أو آراءٍ لا تَرْضَى عنها السلطةُ سياسيًّا، والحريَّة لا تتجزَّأُ، فإمَّا أنْ تكونَ الحريَّةُ للجميعِ، وإمَّا أنْ يكونَ التَّكميمُ لأفْواهِ الجميعِ: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ القِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ العَذَابِ)؟!

7 –أكذوبةُ تجديدِ الخِطابِ الدينيِّ؛ فقد ظهر هذا المصطلحُ الخبيثُ على الساحةِ منذُ سنواتٍ؛ وهو مصطلحٌ ظاهرُهُ العَقْلُ والرُّشْدُ، وباطنُه تحريفُ الدِّينِ نَفْسِه، وتبديلُ شرائِعِهِ، وزعزعَةُ ثوابِتِهِ، بما يتوافقُ مع أهواءِ أولئكِ المَارقينَ، وهوى النظام العالميِّ الجديدِ، ورحم الله أديبَ الدَّعْوةَ المُلْهَمَ محمد الغزاليَّ (1917-1996م) إذْ قال: "تجديدُ الإسلامِ ليس نَقْلُ الدِّينِ مِنْ مَكانِهِ إلى حيثُ يهوى الناسُ، بل نَقْلُ النَّاسِ من نِطاقِ أهْوائِهِمْ إلى حيثُ يَرْضَى الله"، وصدق ربُّنا إذْ يقولُ: (وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ).

8 -ما أظنُّ أنَّ هناك أسرةً عندها مُسْكَةٌ من إيمانٍ سَتْقْدمُ على تنفيذِ هذه الخُطْوةِ الفاجِرَةِ، ويقيني أنَّ الأُسَرَ المسلمةَ سَتُقَسِّمُ التَّرِكةَ بشرعِ الله تَراضيًا فيما بينها، وسَتَضْرِبُ بهذا الهُرَاءِ عُرْضَ الحَائطِ؛ وستكونُ هناك قسمةٌ حكوميَّةٌ باطلةٌ على الورق، وقسمةٌ شرعيَّةٌ على أرضِ الواقعِ، شأنَ الدولِ التي تمنع تعدُّدَ الزَّوْجاتِ؛ مما يفتحُ البابَ أمامَ التَّعَدُّدِ المشروعِ من خِلال سُلْطةٍ مُوازيةٍ؛ وهو مَا يُفْقِدُ الدولةَ سُلْطَتَها شيئًا فشيئًا؛ اللهمَّ إلا أنْ تكونَ هناكَ أسرةٌ مارقةٌ من أحْفادِ أبِي رِغَالٍ، تَلْجَأُ إلى قُضَاةِ سَدُومٍ؛ فيقسمون بينها بشريعةِ أبي جَهْلٍ!

وختامًا، فليس كلُّ اسمٍ على مسمًّى كما يُشَاعُ، وإنَّما قد يكونُ الاسمُ بعَكْسِ مُسَمَّاهُ تمامًا، ونَظنُّ أنَّ التَّعِيسَ المَمْحوقَ مِنْ أولئكَ المُبْعَدينَ الذين جافتْ أسماؤُهمْ مُسمَّياتِهمْ:

سَمَّوْكَ مِنْ جَهْلِهِمْ سَدِيدًا *** وَاللهِ مَا فِيكَ مِنْ سَدَادِ

أَنْتَ الَّذِي كَوْنُهُ فَسَادًا *** فِي عَالَمِ الكَوْنِ وَالفَسَادِ

وَقَدْ عَقَّبَ ابنُ القيِّمِ على هذين البيتَيْنِ ببيتَيْنِ مِنْ عنده قال فيهما:

وَسَمَّيْتُهُ صَالِحًا؛ فَاغْتَدَى *** بِضِدِّ اسْمِهِ فِي الوَرَى سَائِرَا

وَظَنَّ بِأَنَّ اسْـــمَهُ سَاتِرٌ *** لَأَوْصَافِهِ فَغَــــدَا شَــــاهِرَا

تم نسخ الرابط