يأتي كلام دونالد ترامب عن أزعومة عبور السفن التجاريه ، والعسكرية الأمريكيه قناتي بنما ، والسويس دون رسوم ،أو جمارك ، أو أية أموال تحت أي مسمى بدعوى أن للولايات المتحده الأمريكية دور في مسيرة القناتين، وهذا ليس بجديد على التاجر الذي عندما يفلس ،عن الإبداع، والابتكار ويبحث عن الإستثمار بطرق أخلاقية ، ومشروعه، يفتش في دفاتره القديمه التي عفا عليها الزمن ، يعرف هو قبل غيره أن كلامه هذا من السخف ، والسذاجة، والسطحية، بحيث يثير الضحك والسخرية، والبكاء المرير حقا على عقلية رئيس أكبر دولة في العالم عندما يتجاوز حدوده ، ويتصرف بدولته تصرفات الدوله الفاشله.
تعتمد سياسة الولايات المتحدة الأمريكية الاستعماريه في ربع القرن الأخير على ما يسمى ب: (حروب الخنق) بمعنى تطويق الهدف الإستراتيجي بدائرة من اللهب المشتعل بالأزمات، والنزاعات، وقطع كل خطوط الإمداد عنه ، وفصله عن محيطه، وعمقه الإستراتيجي، وفقدانه كل وسائل الإمداد، والتمويل، والدعم اللوجيستي، فيما تقطيع الشرايين والأوصال هذا يكون ما هو إلا مقدمه لسلسلة عمليات سياسية أخرى في الداخل ، تصيب الدولة المعنية بالارباك الشديد ، وعدم القدرة على التفكير بأريحية مطلقه، ودفعها في النهاية على القبول بأخف الأضرار ، وما كان مرفوضا بقوة في الأمس يكون مقبولا في ظل شروط حروب الخنق الأمريكية، الصادرة عن سجالات مراكز الأبحاث، ودوائر التفكير في صنع القرار الإستراتيجي، فيما الخبرات السياسيه تقول بأن هذه الأليات قد نجحت نجاحا كبيرا في الحالات التاليه:-
- الإجراءات التي سبقت الغزو الأمريكي للعراق في عام ٢٠٠٣م ، بحيث كان دفع العراق على غزو الكويت عام ١٩٩٠م بداية لعزله عن محيطه الجغرافي العربي، وخنقة بالتدريج للوصول إلى لحظة الانقضاض عليه في التاريخ المذكور أعلاه.
- ما يسمى بالهلال الشيعي الممتد من إيران، وسوريا ، والعراق ، وجنوب لبنان ، والحوثيين في اليمن ، وبعض الجيوب في بعض الدول العربيه ، وسياسات أمريكا في كسر أذرع الأخطبوط، لهذا التكتل وتطويقة بالأزمات وحروب الخنق منذ العام ٢٠٠٣م حتى ٢٠٢٥م ، حيث إنتهى خروج كل هذه الدول والمناطق من دوائر النفوذ الشيعي.
- جماعات التطرف والإرهاب المنسوبه إلى الإسلام السياسي الراديكالي التي تجرأت على غزو العمق الأمريكي ذاته في ١١ سبتمبر عام ٢٠٠١م وتفجير مبنى البنتاجون ، وبرجا التجاره العالميين، ومقرات سيادية أخرى، كان أن تم الاعداد لها باستراتيجية( الفوضى الخلاقة) ، وما ألت إليه الأحداث تباعا من إسقاط الأنظمه في عدد من الدول العربيه ، وصعود هذه الجماعات المسلحة إلى الواجهه لتتولى الشعوب أمرها ، ويتم تفكيكها تباعا في مصر، وتونس ، والأردن ، ونقل المواجهه بين أميركا، وهذه الجماعات إلى دول المنطقه ، وفق إستراتيجية الحروب الاستباقية...!!!
ومن ثم فإن الاقتراب من تصريحات دونالد ترامب عن قناتي بنما والسويس من هذه الزاوية ،يمكن أن يساعد على الفهم أولا ثم يجعلنا نأخذ هذه الكلمات على محمل الجد ، وليس كما ذهب إليه البعض من البحث في التاريخ عن :
- جذور فكرة إنشاء القناه من سنوسرت الثالث إلى الفرنسي ديليسبس ، و محمد سعيد باشا ١٨٦٩م، ثم جمال عبد الناصر، وتأميم الشركه العالميه لقناة السويس لتكون شركة وطنيه مصريه خالصه، وما استتبعه من العدوان الثلاثي على مصر الذي كان من انجلترا وفرنسا وإسرائيل عام ١٩٥٦م ، ولم تكن الولايات المتحدة الأمريكية طرفا فيها ، ولم تدافع عما تدعيه الأن حقا لها ، بل على العكس فإن الوثائق السريه عن ملفات السويس تؤكد دعم أميركا للموقف المصري ، وحقه في إدارة القناه، والاستثمار فيها بما تراه مصلحة وطنية لها...!!!
- التطور القانوني لحق مصر في إدارة القناه ، وفرض الرسوم، وتحصيلها منذ معاهدة القسطنطينية عام ١٨٨٨م التي أقرت بحرية الملاحه التجارية ، وكل اغراض حق المرور البرئ مع إحترام سيادة مصر الكامله على القناه وحقها في فرض الرسوم مقابل خدمات العبور التي تقدمها، وقد ظل هذا الأساس القانوني ثابتا ، وأصيلا دون إنقطاع، ولم ينازع مصر هذا الحق أفراد، ولا شركات ، ولا دول .
- أن الدوله المصريه في مواجهة هذا العدوان على قناة السويس ستواجه دونالد ترامب ، والحكومه الأمريكيه بألاف الوثائق، والمستندات ، والملفات التي تؤكد على دأب الأفراد ، والشركات ، والحكومه الأمريكيه على التعامل مع الحكومه المصريه فيما يتعلق بسيادتها على قناة السويس منذ معاهدة القسطنطينية عام ١٨٨٨م دون إنقطاع، ودفع الرسوم المستحقة، ما رتب أثرا قانونيا ،وحقا أصيلا تنهار أمامه تصريحات ترامب أو غيره...!!!
- لايجب فهم تصريحات دونالد ترامب الأخيره عن مرور السفن الأمريكيه بلا أي مقابل في هذا التوقيت، بمعزل عن رفض مصر لأكثر من مائة يوم للضغوط الأمريكية المتعلقه بضرورة انتزاع موافقة مصر على تهجير الفلسطينيين من قطاع غزه إلى حيث المناطق المتاخمه لمحور فيلادلفيا، وترامب بذلك يحاول أن يدفع بمصر للقبول بأخف الضررين بحسب وشايات مستشاريه وأن يكون الإختيار بين السئ، والأسوأ منه، وهي هي ذاتها لعبة السياسه، وأليات التفاوض في كل زمان ومكان، وفهم المسأله على هذا النحو يجعل النخبه المفكره التي خبرت أميركا أن تحذر من الاستخفاف بهذه التصريحات/ المطالب، أو التعامل معها من قبيل أن ترامب يصرح كثيرا وينفذ قليلا ،او أنه مندفع، ويتراجع دائما...!!!
يجب ملاحظة أن تصريحات ترامب هذه عن قناة السويس قد تزامنت مع حدثين اقليميين مهمين، وهما:
١- الإعلان في المملكه الأردنية الهاشمية عن مخطط منسوب إلى جماعة الإخوان المسلمين يستهدف زعزعة الاستقرار في البلاد ، ومن ثم حل الجماعه، وتفكيك مقراتها، وتقديم رموز المحاولة والجماعة إلى المحاكمات ، وكان الأردن أيضا من الرافضين لتهجير الفلسطينيين.
٢- الزيارة المرتقبة لدونالد ترامب لكلا من السعوديه، والإمارات، وقطر ، وحملة التخويف والابتزاز المادي التي ينتهجها ترامب للحصول على أكبر فائده ماديه ممكنه من الزيارة، فإذا كانت مصر الكبرى نفسها تحت الضغط ، فماذا عساها أن تفعل الدول العربية الأخرى التي لا تمتلك نفس قوة مصر وعتادها العسكري...!!!
إن دونالد ترامب الذي طالما كان متفرجا، وراعيا لمباريات المصارعه في سنوات شبابه الأولى ،يبدوا أنه قد اخذ منها فكرة مصارعة طواحين الهواء ، التي لا يمكن مصارعتها أصلا، فإذ به يراها ممكنه ، ويوهم نفسه بأنه قادر على ذلك ، فمن :
- إصراره على عزل جيروم باول رئيس مجلس المحافظين للنظام الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لرفضه القاطع تخفيض سعر الفائدة إلى:
- الدخول في حرب تجارية مفتوحه ضد الصين، وروسيا، والاتحاد الأوروبي حلفائه، ومعظم دول العالم بسبب الرسوم الجمركيه الباهظه، ثم تراجعه التدريجي عن مثل هذه الأفكار ، وتأجيلها....!!!
ثم :
- الدخول في حرب مفتوحه ضد مصانع العقول في الولايات المتحده الأمريكية، ومعاداة الجامعات ، وعلى رأسها جامعة هارفارد ، وتهديده بوقف تمويلها السنوي البالغ 2 مليون دولار بسبب ما ادعاه معاداتها للساميه، وبعض الجامعات الأخرى عندما سمحت بخروج تظاهرات ضد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزه ، ما يشي بأن الداخل الأمريكي لايستسلم لسياسات ترامب ، بل ويقاومها بضراوة ، فماذا عساها أن تفعل تصريحاته عن قناة السويس، التي وصفها وزير الخارجية المصري الدكتور بدر عبد العاطي بأنها : ( لا تستحق الرد عليها)...!!!
- المواقف الأمريكيه السلبيه من قناة السويس لم تقتصر على الإنسحاب من الدول الداعمه لامتياز الحفر عام ١٨٦٩م فقط وإنما تعدتها إلى حيث دعم كافة المشروعات التي ظهرت في التاريخ لتكون بديلا عن قناة السويس ، وكان من ذلك مايلي :--
١- في إطار مباحثات البنتاجون التي دارت ما بين عامي١٩٤٥- ١٩٤٧م بين الاستخبارات الأمريكية والبريطانية لوراثة الأولى لنفوذ الثانيه في الشرق الأوسط تبنى الخبراء الأمريكيون ما كانت بريطانيا قد قررته في عهد ونستون تشرشل من فكرة إنشاء ( منطقة التنمية العملاقه) ، التي تمتد من جنوب مدينة العقبه الأردنية حتى مدينة غزه ، وتشمل مدينتي رفح والعريش في شمال شبه جزيرة سيناء المصريه
٢- قناة بن غوريون: حيث أعدت وزارة الطاقة الأميركية، ومختبر لورانس ليفرمور الوطني ، خطة مقترحه ونشرت في وثيقة سريه فيما بعد ، حيث اقترحا فيها دفن أكثر من ٥٢٠ قنبلة نووية لمساعدة إسرائيل على حفر قناة بن غوريون للربط بين خليج العقبة والبحر الأبيض المتوسط لتكون بديلا عن قناة السويس...
٣- دعمت أميركا توجهات روسيا لإنشاء: ( طريق بحر الشمال ) ويمتد ٥.٦ ألف ك متر ، ويمر عبر أربع بحار ، والممر الشمالي الشرقي هذا كان سيربط بين اوربا ومنطقة أسيا ، والمحيط الهادئ ، ويمثل ممرا استراتيجيا للهند ، وقد عطلت الحروب الروسيه الأوكرانية المتعاقبه السلم والأمن في سبيل تنفيذ هذا المشروع ....
٤- في سبتمبر ٢٠٢٣م أعلن الرئيس الأمريكي السابق جون بايدن عن مشروع ممر إقتصادي يربط بين الهند والشرق الأوسط، وأوروبا، ووصفه نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي بأنه سيحدث تغييرا في ملامح المنطقه ،ووقعت الولايات المتحدة الأمريكية، والهند ، والسعوديه ، والإمارات، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وباقي دول الاتحاد الأوروبي مذكرة تفاهم أنذاك لإنشاء هذا الممر على هامش قمة العشرين ، ليكون بديلا عن قناة السويس أيضا...!!!
- حزام النار كأحد مراحل حروب الخنق الأمريكية:
تعتمد الولايات المتحدة الأمريكية في إستراتيجيات حروب الخنق التي تجعلها تحصل على ما تريده دون مواجهة عسكريه مع الهدف على ما يسمى تفجير المجال الجغرافي الحيوي للدوله المستهدفه، وتغذيتها بالتوتر ،والنزاعات اما بطرق مباشرة أو من ينوب عنها من الفاعلين الإقليميين، وفي الحاله المصري ستجد حزام النار ممتد في كل الحدود المباشرة :
- الحرب الإسرائيلية على قطاع غزه والموسومه بالسيوف الحديديه، وقد فقدت مصر بسبب هذه الحرب ٧ مليارات دولار من إيرادات قناة السويس منذ اندلاعها في ٧ أكتوبر ٢٠٢٣م.
- التوترات في ليبيا والممتده منذ أكثر من عقد من الزمان بين قوات فجر ليبيا في طرابلس، والجيش بقيادة خليفه حفتر في بني غازي
- الحاله السودانيه ، ومقاومة الجيش بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان هناك لميليشيات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دوقلو (حميدتي ) ، وهي الحرب التي أتت على الأخضر واليابس، ولازالت مستمره
٤- التوترات في البحر الأحمر بين قراصنة القوات الحوثيه، للسفن التجاريه، والضربات الإسرائيلية/ الأمريكيه لها ، والتي بسببها فقدت مصر أكثر من ٧٠% من إيرادات قناة السويس في العام ٢٠٢٤م،،،
في كتابه عن: نقاط الخنق..القوه الاقتصاديه الأمريكيه في عصر الحروب الاقتصاديه حذر إدوارد فيشمان من :
- أن الهيمنه الأمريكية على الدولار تمنحها سيطرة واسعه على الأسواق
- أنظمة الدفع سويفت تعزز من قدرة واشنطن على فرض العقوبات
- الإفراط في إستخدام العقوبات قد يضعف النفوذ الأمريكي العالمي
- إيران وروسيا قد طورتا إستراتيجيات الالتفاف على القيود الماليه الأمريكية
- الصين تقود جهودا لإنشاء أنظمة دفع عالميه بديله عن الدولار...
كما حذر فيشمان من البحث أو دعم أي جهود تستهدف طرق بديله عن الممرات التجاريه العالميه الصديقة لا لعامل الخبرات والتسهيلات فقط ، وإنما لأن هذه الممرات قد أصبح لها تقاليدها التجاريه، والقانونية المستقره ، وقد اكتسبت حقوقا قانونيه لا يمكن منازعتها فيها....!!!
- ينبغي التعامل مع تصريحات دونالد ترامب بالإهتمام ، والتركيز الواجبين فعندما أرادت السيطره على خليج جوانتنامو منذ الحرب الاسبانيه الأمريكيه في عام ١٨٩٨م ، قامت بالايعاز لبعض قطعاتها البحريه بارتداء ملابس العسكريه الكوبيه، وسيرت سفنا تجاريه تابعة لها وتحمل الاعلام الأمريكية، وقامت القوه البحريه الأمريكيه المرتديه للملابس الكوبيه ،بالاعتداء على هذه السفن ، ودخلت في نزاع طويل ضد كوبا إلى أن اجبرتها على عقد إيجار لخليج جوانتنامو في عام ١٩٠٣م مع الإعتراف بالسياده الكوبيه ، وأقامت هناك أكبر معتقل في العالم (معتقل جوانتنامو) المعزول عن العالم ...
- في إطار تصور ترامب الخطير عن مرور السفن التجاريه والعسكرية عبر قناة السويس دون رسوم ، لا يتورع ترامب ، ومعاونوه عن ممارسة أبشع أنواع الفوضى الإقتصادية غير الأخلاقية ، من خلال رفع السفن التجاريه والعسكرية لأي من دول العالم للعلم الأمريكي مع تحصيل رسوم أقل مما يتم دفعه للحكومة المصرية، والادعاء بأنها سفن تحمل مصالح تجاريه أمريكيه فيما يسمى بأعمال القرصنة، والتي حذرنا منها منذ العام ٢٠٠٩م من خلال كتابنا عن :
(القرصنة في الخليج العربي...الغزو الأمريكي للعولمه) والذي فاز بجائزة الدوله عام ٢٠٠٩م عن فرع:
( العولمه والهويات الثقافيه)
القياده السياسيه المصريه قد سمحت بأن يكون للبرلمان المصري نقاشاته للرد على مزاعم ترامب حول العبور الأمريكي لقناة السويس دون رسوم ، وقد أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي في غير مناسبه ، ومنذ منتصف يونيه ٢٠٢٠م ، عندما كان على القوات المسلحه المصريه أن تواجه الإرهاب في الجفره، وسرت الليبيه،ومن ثم فإن قضايا الأمن القومي المصري، هي بمثابة ( خط أحمر ) لايجب السكوت عليها ، قناة السويس أيضا الاقتراب منها من ترامب أو غيره ، خط أحمر ، لقد مات في حفرها ١٢٠،٠٠٠ ألف عامل، حفروها بالسخره، بأرواحنا، بجماجمنا ،وتم دفع ٨ مليون بمعايير ذلك الوقت من أقوات المصريين ، ولا يمكن أبدا التفريط في أي حق من حقوقنا فيها، وستبقى مصر دائما تعطي دروسا للعالم في فن المناوره، والقياده ، الإستراتيجيه حيث كان أبلغ رد على تصريحات دونالد ترامب بشأن قناة السويس هو صفقة أسلحه ضخمه من الصين لمصر ،لتنويع مصادر السلاح عسكريا ، وحرية الحركه في الفضاء الخارجي سياسيا ، والبحث عن تسهيلات في السداد إقتصاديا....
( حفظ الله مصر قيادة وشعبا....)