ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

قراءة قانونية في قانون الاستثمار الصيني 2020 وقانون المشاريع المشتركة الصيني 1979: كيف حول الصين من مُقلِّد إلى مُبتكِر يهز عرش السيارات؟

 

تخيّل؟ الصين، التي كانت بالكاد تصنع سياراتها، أصبحت اليوم عملاقًا يهز عرش صناعة السيارات العالمية! كيف حدث هذا التحول المذهل؟ الأرقام تتحدث عن نفسها: أنتجت الصين 31.28 مليون مركبة في عام 2024، أي ما يمثل حوالي 35% من الإنتاج العالمي! وباعت قرابة 12.87 مليون سيارة كهربائية في نفس العام، مستحوذة على أكثر من 60% من السوق العالمي!

لكن القصة لا تتوقف عند الإنتاج الضخم. الصين لم تعد مجرد "مصنع العالم"، بل أصبحت "تصنع المصانع" نفسها! شركات صينية تبني الآن مصانع سيارات متكاملة في أوروبا وأمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، وتصدر ليس فقط سيارات، بل خطوط إنتاج وتكنولوجيا تصنيع متقدمة. إنه انتقال مدهش من "صُنع في الصين" إلى "صُنع بواسطة الصين"!

والمفارقة الأكبر؟ الصين التي اتُهمت طويلًا بتقليد ونسخ التصاميم، انقلبت الآية الآن. مع صعود شركات مثل جيلي (Geely) وبي واي دي (BYD) ونيو (NIO) وشيبينج (XPeng) كقادة في التصميم والابتكار، أصبح المصممون الغربيون يعملون لديها، وباتت الشركات الصينية تخشى من تقليد تصاميمها وتقنياتها المبتكرة! تحول لا يصدق من مُقلِّد إلى مُبتكِر يخشى على ابتكاراته.

ما هو السر إذن؟ بالتأكيد، ساهم البحث العلمي وبناء المصانع العملاقة والبنية التحتية المتطورة في ذلك، لكن السر الأعمق يكمن في تهيئة المناخ التشريعي بذكاء، والأهم من ذلك، قوة إنفاذ هذه القوانين واحترامها وتطبيقها بعدالة صارمة على الجميع، كبيرًا وصغيرًا، محليًا وأجنبيًا. 
هذا هو الفارق الجوهري الذي ساهم بقوة في صنع المعجزة.

بدأت القصة الحقيقية عام 1979، مع صدور "قانون المشاريع المشتركة ذات رأس المال الصيني والأجنبي" (Equity Joint Venture Law)، وهو حجر الزاوية في سياسة "الإصلاح والانفتاح". 
لم يكن هذا القانون مجرد دعوة لجذب الاستثمار الأجنبي بحثًا عن "السمكة" السهلة، كما فعلت دول أخرى. كان المشرع الصيني حكيمًا؛ فقد صُمم القانون كأداة "لاستيراد المعرفة" إلى جانب رأس المال. أنشأ القانون نموذج "المشروع المشترك" (شركة ذات مسؤولية محدودة يتقاسم فيها الشركاء الأرباح والخسائر)، واشترط حدًا أدنى للمساهمة الأجنبية (25%)، والأهم، أجبر الشركات العالمية الراغبة في دخول السوق الصيني الضخم على الالتزام بنقل التكنولوجيا وأساليب الإدارة المتقدمة وتوطين الصناعة.
 رسالة الصين كانت واضحة: "علمني كيف أصطاد، ولا تعطني سمكة". هذا التركيز الاستراتيجي، الذي أثمر عن مشاريع رائدة مثل "شنغهاي فولكسفاغن" و"بكين جيب"، وما ضمن نجاحه هو الإصرار الصلب على إنفاذ القانون وتطبيقه بعدالة، لتضمن الصين حصولها على المعرفة المنشودة التي بنت عليها تفوقها لاحقًا. (تم استبدال هذا القانون لاحقًا بقانون الاستثمار الأجنبي الموحد في 2020).

بهذه المعرفة، راهنت الصين بقوة على ثورة السيارات الكهربائية. ومرة أخرى، لعبت التشريعات دور البطولة، ليس فقط بدعم مالي تجاوز 230 مليار دولار منذ عام 2009، بل بحزمة سياسات متكاملة (كالإعفاء الضريبي 10% ودعم البنية التحتية)، والأهم، تنفيذها بصرامة ومتابعة دقيقة، مما أطلق العنان لهذه القفزات الهائلة.

ولم تتوقف طموحات الصين عند السيارات الكهربائية، بل امتدت بقوة إلى عالم المركبات ذاتية القيادة، حيث لا تكتفي بمواكبة الركب، بل تسعى لقيادته! تشير التوقعات إلى أن سوق المركبات ذاتية القيادة في الصين قد يتجاوز 21 مليار دولار بحلول عام 2030.
 ولتحقيق ذلك، فتحت الصين الباب على مصراعيه للاختبارات والتطوير، حيث أصدرت السلطات حتى أواخر عام 2024 أكثر من 16,000 رخصة اختبار، تشغيل تجريبي، وفتحت ما يزيد عن 32,000 كيلومتر من الطرق العامة لهذا الغرض فضلاً عن التشريعات التي سنتها الصين لتشغيل المركبات ذاتية القيادة والتاكسي ذاتي القيادة. 
تبرز في هذا المجال شركات عملاقة مثل بايدو (بمنصتها أبولو)، وشركات ناشئة قوية مثل بوني.آي (Pony.ai)، ويرايد (WeRide)، وأوتو إكس (AutoX)، التي تنشر خدمات الروبوتاكسي (سيارات الأجرة ذاتية القيادة) في مدن صينية كبرى.

اللافت في التجربة الصينية هو النهج التشريعي المرن والمتطور. 
فبدلاً من وضع قوانين جامدة، تبنت الصين استراتيجية توازن ما بين حرية الابتكار من جانب وبين ضمان السلامة من جانب آخر. 
حيث أصدرت لوائح تنظيمية متدرجة (مثل لوائح بكين الجديدة لعام 2025 وأول تنظيم للتشغيل التجاري - أي الذي يسمح من خلاله بتحصيل الأجرة من الركاب - في أواخر 2023) وبذلك تضع الصين أطرًا واضحة للمسؤولية وتخلق آليات إشراف ورقابة لتحقيق التوازن بين تشجيع التكنولوجيا الجديدة والتحكم في المخاطر. ورغم عدم وجود إحصائيات رسمية شاملة للحوادث، فإن التقارير تشير إلى سجل سلامة جيد نسبيًا مقارنة بحجم الاختبارات الهائل (فمثلًا شركة Pony.ai أعلنت عن اكثر من 8,000,000 ميلاً تشغيل سيارات ذاتية القيادة بدون حوادث، كما أعلنت شركة WeRide أعلنت عن أكثر من 1700 يوم تشغيل بدون حوادث)، مما يعكس نجاح هذا النهج المتوازن في تحويل التحديات إلى فرص لتحسين التكنولوجيا والتشريعات باستمرار، وتأكيد كيف يمهد المناخ التشريعي الذكي الطريق للريادة التكنولوجية.

بالطبع، واجهت الصين تحديات ومنازعات قانونية، خاصة في الملكية الفكرية. لكنها تعاملت معها بنضج عبر آليات إنفاذ فعالة.
طورت آليات سريعة لحل النزاعات (كالتحكيم والمحاكم المتخصصة)، مما بنى ثقة المستثمرين وحوّل التحديات إلى فرص لتحسين البيئة التشريعية باستمرار.

ولا ننسى العامل البشري، الذي لمسته شخصيًا في زياراتي للصين وآخرها في معرض شنغهاي 2025. شعب لا يعرف الكلل، يعمل بتفانٍ مذهل، ويتحلى بتواضع جم، مع تركيز شديد على إرضاء العميل. هذا المزيج من أخلاقيات العمل العالية والتفاني، عندما يعمل ضمن إطار قانوني قوي ومنفذ بعدالة، يصبح قوة لا تقهر.

إن خطط الصين لـ"مجتمع وسيادة القانون" تؤكد على المساواة أمام القانون وتعزيز آليات التنفيذ. 
هذا التوجه نحو إنفاذ القانون هو الأساس الصلب للنمو والتفوق.

الدرس لنا جميعًا: صحيح أن النجاح الصناعي يحتاج إلى بحث علمي وتطور للبنية التحتية وتطور تكنولوجي، لكن وضع قوانين عادلة، خاصة قوانين الاستثمار وجذب رأس المال الأجنبي لنقل المعرفة والتكنولوجيا بل وامتلاك الشجاعة والإرادة لتطبيقها على أرض الواقع بعدالة وشفافية على الجميع، هو العامل الحاسم.
 "فالعدل أساس الملك". عندما يسود القانون ويُنفذ بجدية، تزدهر الثقة، وينطلق الابتكار، وتتحقق المعجزات. وهذا ما فعلته الصين.

تم نسخ الرابط