من العنوان تظن أنّك أمام عمل درامي جماهيري يتشوق الناس إليه، من شِدّة إعجابهم به فإذا بدأ لا تسمع لهم صوتاً ولا همهمة، يتواصوا فيما بينهم بالصمت ويقول بعضهم لبعض _هُس_ المرافعة هتبتدي!!، فمن الذي استطاع أن يرسم هذا المشهد ويستأثر بعقول الناس ووجدانهم فيتمكن من انصاتهم ليسمعهم ما لم يعتادوا على الاهتمام به؛ لأنهم يرون المحاكمات أمر متعمق في التخصص وبعيد عن اهتماماتهم الجماهيرية ودائماً ما يرون أن العِبرة في القضية بما انتهت إليه، فالعامة قد لا يهتموا بالمحاكم ولا مرافعاتها، وفجأة يُطل علينا، خالد حسن _ أبورحاب؛ وكيل النائب العام في محاكمة جنائية، يترافع في قضية طفل مغاغة بمحكمة المنيا، وبعدها قضية المرأة الخائنة قاتلة زوجها بالبدرشين في محكمة الجيزة، وما خفي في أرشيف مرافعاته أكبر، لكننا نتحدث عن ما اشتُهِر منها، فيُغير وجه الصورة في مرافعة النيابة العامة لتصبح حديث الناس ومحل اهتمامهم يحفظونها أو بعض منها أحياناً ويوصي بعضهم بعضاً بمشاهدتها ويُعبّر فئات المجتمع المختلفة بكلماته مدحاً وزجراً، وكأنك أمام سيناريو محكم لعمل جماهيري قوي يستحق المشاهدة، فماذا صنع _ أبورحاب ليطوي بابا في مرافعات النيابة ويفتح باب ويؤثر بالإيجاب في صورة النيابة العامة في نفوس العامة وأولي الألباب حتى أصبح يُطلب للمرافعات في القضايا التي تشغل الرأي العام؟، والتساؤل هل هذا يصب في مصلحة النيابة العامة الراسخة وقضاؤنا الشامخ؟، وخاصة أنّه قد مرّ على مصر أوقات كان عدم النشر ونقل المحاكمات فيها أفيد ألف مرة من نشرها، وهنا استحضرت عقل الباحث ووجدت نفسي أمام ثلاث ركائز هي الحاكم في الإجابة على التساؤل المطروح وهي:
- الأولى تتمثل في الدافع الذي أقصد به حكمة مؤسساتنا القضائية وعظمة قياداتها، فهم أولوا حكمة يدركون المقال المناسب في المقام المناسب بالشخص المناسب، وما كان لنا لنرى هذا النموذج في المرافعة من النيابة العامة إلا برعاية من هذه القيادات العظيمة والخبرات الراشدة، التي سمحت لهذا الوكيل الشاب بالظهور من منافذ التصوير مجسدًا للجريمة ومؤسسا لأركانها ومتحدثا بلغة قيّمة ومؤثرًا في نفوس الناس، فلهم منّا جميعاً كل التقدير والفخر، وهنا نقول إن المؤسسات الراشدة العريقة التي تدرك القيمة المكتسبة من كل أمر وتسعى لصنع مكانتها المرجوة بكل فخر لا تخشى إقداما ولكن تضع لكل شيء ضوابطه لتستمر شامخة في العطاء، وهنا تتحق الإفادة مع وضع المعايير الضابطة لمثل هذه المرافعات ومؤسساتنا القضائية رائدة في ذلك.
- الثانية، تتمثل في الفاعل وهو المترافع في القضية بمهاراته وقدراته، فحينما تكون الثقة في أهلها تؤتي ثمارها، وقد أوتي _أبورحاب_ قدرات شخصية تمثلت في لسان فصيح ولغة سليمة وفكر ناضج وذهن متوهج وجسد بالكلمات نابض لا يحيل بينه وبين الناس حائل، فبصره بعيد عن الأوراق وعينه مليئة بالتعبيرات وصوته مرسوم النبرات وبين الحين والآخر ينتزع الأنات والآهات، ليستأثر بالسمع والبصر والفؤاد وينفد إلى قلوب مستمعيه من العباد، وهذه قدرات تواصلية ومهارات اتصالية تعكس بنيته الفردية وأيدولوجياته واجتماعياته، ولذلك نفد إلى النفوس مستخدما الاستمالات المنطقية والعاطفية في نقل سيناريو الجريمة؛ ليُحوّل المرافعة من نصوص وأسانيد جافة إلى سيناريو عبقري يبني يقين المحكمة بتسلسله المنطقي ويأسر المشاهد بأحداثه المزلزلة فيقتنع الجميع بالجريمة ويتأثرون لها فيأخذهم بالكلمات دون عناء ويضع في تصوراتهم من القيم والأخلاقيات ما شاء، وهذه هي صناعة التأثير في الرأي العام، فأهلا بكل من يملك مثل هذه المهارات في المرافعات ليؤثر في الجمهور وتتحق الفائدة بفاعلية دوره.
- الثالثة وتتمثل في النتيجة وأقصد بها القضية التي تهدف لحماية المجتمع من الجرائم ونشر القيم الأصيلة، فنوع القضيّة نفسها حاكم، ولذلك ينبغي أن تكون الأولوية في التداول الجماهيري للقضايا التي تمس سلامة قيم المجتمع وأمنه، لتستثمر النيابة العامة القضية في تسطير القيم المفتقدة ومعالجة الأمراض المنتشرة وممارسة دورها العظيم في حماية المجتمع من الجريمة، فتزجر بالتعبيرات ما انتشر من مخالفات وتحث بالكلمات على القيم والأخلاقيات وتُحيي التماسك والتراحم والترابط في المجتمع، وتجعل من المجرمين عِبرة حتى يهاب من في نفسه مرض المرافعات الجماهيرية للنيابة كما يخاف الحكم وأكثر فيرتد عن الإجرام ونصل بالمجتمع إلى الأمن والسلام.
وهذه المرتكزات الثلاثة الدافع والفاعل والنتيجة هي المعايير الحاكمة للإفادة من المرافعات الجماهيرية، حتى لا يُسمح لمن لا يستطيع أن يظهر بما لا يستطيع فيترك في أذهان الناس مالا يرضون عنه، فنفقد الانتفاع بها وهنا يكون المنع أولى من النشر، وهذه الضوابط ليست للحجب أو المنع وإنما للتنظيم والإفادة لنرسم في أذهان الجماهير الصورة المثلى لأعضاء النيابة العامة التي تليق بهم وبالصرح العظيم الذي ينتمون له، ويجتهد منسوبوها في الاستعداد الأمثل للتأثير على الجماهير عبر السيناريوهات الآسرة وخاصة في المحاكمات النابضة بنشر القيم، ولنعترف أن صناعة السيناريوهات المؤثرة لا يُجيدها الجميع، ومع ذلك كل من المجال يستطيع أن يكون صانعا لسيناريو المرافعة المؤثر في الجماهير باكتشاف القدرات الفردية لديه وصقلها بالتدريبات الفعلية، فمهارات الاتصال وقدرات الإقناع والتأثير في الجمهور مكتسبة وليس جينية فقط أو حصرية على أحد، ولنبتعد عن الاقتباس فهو دليل على الإفلاس إذا لم يمتلك الفرد من الإمكانات ما يجعله مؤثرًا بذاته، فحينما تختار لنفسك ما اشتُهِر به غيرك وأنت لست الأجدر به تضيع غايتك، ولذلك اقترح على معالي النائب العام وأعضاء النيابة العامة، تأسيس وتنظيم برنامج مهني في مهارات الاتصال والإقناع للمرافعات الجماهيرية، تحت إشراف معهد البحوث الجنائية والتدريب، ومكتب التدريب والمرافعة بالنيابة العامة، يضم مجموعة من الخبرات المتنوّعة والقادرة على التأهيل في هذا المجال، ويتقدّم إلى هذا البرنامج كل من يُريد تصريحاً بالمرافعات الجماهيرية ليحدد قدراته وينميها، على ألا يمنح العضو ذلك إلا عند مستوى معيّن من المهارات وعدد عملي من الساعات التسجيلية والمهارات التنفيذية اللغوية والاتصالية والقانونية، وبعدها يُصرح له بالمرافعة في القضايا النوعية التي ترى المؤسسة الرسمية أن في نشر مرافعتهما قيمة مجتمعية.
الكاتب استاذ الإعلام بكلية الإعلام جامعة الأزهر