ads
الجمعة 05 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

أثار تسجيل صوتي للزعيم الراحل جمال عبد الناصر في حديثه مع الرئيس الليبي الأسبق معمر القذافي عن القضيه الفلسطينيه ، والمراره التي يشعر بها من ركون الرؤساء العرب إلى أنهم جميعا على إستعداد للحرب ضد إسرائيل لأخر جندي مصري، أما هم ، وجيوشهم فيقدمون الأعذار ، والمبررات،  لعدم استعدادهم لمواجهة إسرائيل،  فقد صارت العقيده لديهم جميعا أن تقديم النقد إلى مصر أسهل بكثير من مواجهة إسرائيل بجيوشهم ، واقع الأمر أن الإحساس بالمراره من المواقف والانتقادات العربيه متكرر على لسان كل رؤساء مصر بعد ذلك مثل الرئيس محمد أنور السادات ، والرئيس محمد حسني مبارك ، ولا تجد غير نفر قليل من النخبه العربيه المثقفه،  هو الذي يقدر دور مصر وعطاءاتها في التاريخ القومي العربي ، ماجعلنا كمؤرخين أن نقوم بتنشيط الذاكره العربيه بالمواقف التاريخيه المصريه في مواجهة مثل هذه الإدعاءات التي تستخدم كوسيلة لتقطيع ما تبقى من أوصال في العمل العربي المشترك ، ومن ثم كانت الوقائع والحقائق التاريخيه التاليه:-

أولا: في العقل الجمعي المصري العام ترتبط حقبة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر بالعديد من الإنجازات المؤثره بقوة في الواقع الإجتماعي، وعموم حياة الناس مثل،  قانون الإصلاح الزراعي ١٩٥٢- ١٩٥٦م ،الذي سمح للفلاحين باستلام عقود أراضي ، ومنازل ، وظهرت طبقة من المتعلمين المنتمين إلى هذه الحقبه، وتمكنوا من شغل العديد من الوظائف،  والمناصب،  والجميع يفاخر ، ويباهي الأمم بمثل هذا التغير الإجتماعي الكبير ، ولازالت صيحاته خالده في التاريخ: 

  • القضاء على الإقطاع وأعوانه
  • القضاء على سيطرة رأس المال على الحكم 

وظهرت مفاهيم في المجال السياسي العام لم تكن معروف من قبل مثل البروليتاريا التي أنتجت الانتليجنسيا ، ونهضا ليحدثا التوازن الإجتماعي في مواجهة الارستقراطيه، البورجوازية ، وجميعها قد أشبعت من البحث والدراسات والتدقيق ،لعقود طويله عندما كانت الإشتراكية نهجا شبه ثابت في الواقع السياسي المصري.

ثانيا : من عام ١٩٦٠ حتى ١٩٧١م مرت عمليات بناء السد العالي بمنعطفات تاريخيه ما بين دور فاعل للخبراء الروس ،وذهاب عبد الناصر إلى البنك الدولي لتمويل بناء السد حيث كان للولايات المتحده الأمريكية مساعي مناهضة دعما للموقف الإسرائيلي، ثم ما كان من أهمية عظمى لهذا الصرح العملاق الذي حمى مصر من فيضان النيل ، كما تم إستخدامه في توليد الكهرباء ، وما كان للأمرين من تأثير مباشر ودائم على حياة المصريين ...!!!

يضاف إلى تأثيرات عبد الناصر في الداخل المصري ، تأميم الشركه العالميه لقناة السويس ، شركه مساهمه مصريه ،وتصديه للعدوان الثلاثي عام ١٩٥٦م ، وما تلى هذه الأحداث من إحباط محاولة وزارة الطاقة الأمريكيه ١٩٦٣م مساعدة إسرائيل،حيث البدء في حفر قناة بن جوريون البديله عن قناة السويس...!!!

ثالثا : أزمة اليمن ١٩٦٢- ١٩٦٧م، حيث الأحداث المؤلمه للحقبه الناصريه،  من اعتقاد لدى عبد الناصر بأن لديه مشروع دعم حركات التحرر في الوطن العربي ، وذهب لمعاونة الثوره في اليمن بقيادة عبدالله السلال ضد الامامه ليثور جدل فقهي سياسي وقانوني حول مدى مشروعية مثل هذا التدخل كان موضوعا للعديد من الدراسات والأبحاث ، وعلى خلفية حرب اليمن ،وبالنظر إلى أن القوات المصريه قد حققت نجاحات يخشى من امتدادها لدول عربيه أخرى ، رأت الولايات المتحده الأمريكية،  أن خير وسيله لإخراج القوات المصريه من اليمن ، هو الدفع بإسرائيل للقيام بهجوم مباغت على خلفية إجراءات تتعلق بغلق مضيق تيران أمام الملاحه الإسرائيلية،  وتحشيد للقوات المصريه هناك ، والايعاز للقوات الأمميه بمغادرة المنطقه ، وكانت حرب ١٩٦٧ من المرارات التي أجبرت عبد الناصر على التنحي ، وإعلانه ذلك بنفسه ، إلى أن خرجت الجماهير لتطالبه بالاستمرار..!!!

رابعا:- حرب الاستنزاف ومبادرة روجرز ....!!!

وهي المعارك التي خاضتها القوات المسلحه المصريه ضد أهداف إسرائيلية،في الفتره ما بين عامي ١٩٦٨- ١٩٧٠م،  كان أشهرها معركة رأس العش ، وكانت العمليات العسكريه المتتاليه،  قد دفعت بالولايات المتحدة الأمريكية إلى ضرورة التدخل لإنقاذ النزف المفتوح للقوات الإسرائيلية ، عن طريق وزير خارجيتها وليام روجرز في ٥ يونيه ١٩٧٠م ، وقبل بها عبد الناصر ، وهي الفتره المنسوب لها التسجيل الصوتي الذي ذاع صيته في الأونة الأخيره ، حيث كان عبد الناصر يعلن للعقيد معمر القذافي رفضه لأيه انتقادات موجهة إليه من الرؤساء العرب ، وعلى من يرغب في القتال ضد إسرائيل فليذهب بقواته، وجيشه ، وعتاده، وهي نفس كلمات السادات ، ومبارك ، عندما تعلو الأصوات الزاعقه بالنضال، فيما هي هذه الأصوات أبعد ما تكون عنه.....!!!! وكأن على مصر وحدها أن تستمر بمفردها بمقدراتها العسكريه، وعتادها ، ومقدرات شعبها ، في النضال فيما غيرها مترف، منعم ، يتشدق بالسياسة، والقومية، ولا يحرك ساكنا نحو إسرائيل..!!!

خامسا:- للمشروع الناصري أصداؤه، ومريديه في جموع الدول العربيه ، وريادة منقطعة النظير في مجموعة عدم الانحياز،  وشكل مع الرئيس اليوغسلافي جوزيف تيتو ، والهندي جواهر لال نهرو منذ مؤتمر باندونغ ١٩٥٥م حالة سياسيه على مستوى العالم ، لفك الارتباط بعيدا عن استقطابات الحرب الباردة بين المعسكرين الإشتراكي،  والرأسمالي،  والأحلاف التي شكلت ،واقعا عالميا، كانت ، ولازالت شخصية مصر الدوليه كاسحه على مستوى التأثير في السياسه ، والإقتصاد ، والاستراتيجية ، و الإنجاز الحضاري .

النخبه المثقفه في الخليج تربت على الوطنيه المصريه ، وعاشت أحلام الاستقلال الوطني ، والتحرر من ربقة الإستعمار،  والاستبداد ، والتسلط ، وجد الحالمون لأوطانهم في مشروع  عبد الناصر  المشروعيه التي يمكن التمسك بما تعد به من أوطان محرره، وتقوم على العداله الاجتماعية، والتكافل  والمساواة، والحرية ، وصون الكرامه....!!!

سادسا: أنشودة عبد الناصر ، وقد تغنى بها القاصي ، والداني، ومنذ ٤ يوليو ١٩٥٣م حيث انطلقت إذاعة صوت العرب من القاهره،  في وقت لم يكن للعرب أي صوت يعبر عنهم ، فكان التجسيد في المعنى( مصر ) ، والمبنى ( الإذاعة )، وانفعلت الجماهير العربيه من المحيط إلى الخليج بالقضايا الوطنيه ،المصريه، وانطلقت الأشعار ، والصيحات، والأهازيج، فها هو محمود شوقي الأيوبي ينشد من الكويت:

لجمال عبد الناصر المتوثب

تهفو القلوب بمشرق أو مغرب

بطل البطولات العظيمة حوله

يلتف كل عربي حر أبي

وألقى أحمد السقاف قصيدته بعنوان: (يا قائد العرب ):

الجرح جرحك قم للثأر منتقما

والأرض أرضك فاسحق رأس من ظلما

ثم كان ماكان من حزن وأسى على فراق عبد الناصر حتى بعد مماته كتب الشاعر القطري أحمد يوسف الجابر يقول :

خطب ألم فمال عرش الضاد

والحزن عم فسال منه الوادي

خلت المنابر وابتلي....

سوق المكارم بعدها بكساد....

عبد الناصر الأمل الذي حمل على عاتقه أحلام الأمه كان فاعلا في كل الفعاليات الثقافيه ،التي عجلت بسقوط الإمبرياليه بوجهها التقليدي القديم عندما قررت الحكومه البريطانية ١٩٦٨م الإنسحاب من شرق السويس ، وتم تنفيذ هذا الخروج البريطاني الكبير عام ١٩٧١م لتدخل المنطقه في ترتيبات أمنيه جديده ، والتأسيس لمرحلة الانطلاق الدولي والاستقلال...!!!

سابعا:- حادث المنشيه ٢٦ أكتوبر ١٩٥٤م 

حيث كانت مصر في فترة الأربعينيات تموج بالتيارات الفكريه، والأحزاب، والقوى السياسيه ، بعضها ينافس للوصول إلى الحكم في ظل الملكيه ، والبعض الأخر يرغب في إصلاح الشأن العام بعيدا عن الاستقطابات الحاده والعنيفه،  وقد دخل كل من المؤرخ عبد العظيم رمضان وكتابيه تطور الحركة الوطنيه المصريه في مجلدين من الأهمية بما لا يستطيع أحد التأريخ لهذه الحقبه دون الرجوع إليه ،والكاتب طارق البشري في كتابه المهم أيضا الحركه السياسيه المصريه ، حيث السجال على أشده ،ونموذج لايبارى في فن المداخلات العلميه المطوله ،حيث دافع الأخير بضراوة عن التيار الديني بتنويعاته،  ولم يرق لهذا التيار الممتعض ما قام به الجيش ،وقطع الطريق عليهم بثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢م فكان التنفيس عن مثل هذا الاحتقان ، ما قامت به جماعة الإخوان المسلمين من محاولة إغتيال رئيس مجلس الوزراء أنذاك جمال عبد الناصر في أثناء خطابه بميدان المنشيه ، وأطلق صيحته الشهيره : ( فليثبت كل في مكانه ) فكان أن تم حل الجماعه وقدم الفاعلين للمحاكمه ، فيما شهدت هذه الفتره أكبر عملية نزوح خارج البلاد لرموز هذا التيار ، وهو النزوح الذي شكل وللأسف الشديد تشكيل خلايا إخوانية في العديد من الدول العربيه والعالميه حيث راجت لديهم فكرة الانطلاق من المحلية إلى حيث التنظيم الدولي للقيام بأعمال لوجيستيه لخدمة تنظيم الداخل ،كان عبد الناصر لا يتورع عن انتقاد المرشد حسن الهضيبي في العلن ، وغيره ، ما جعل هذه الجماعة المنحله، والمصنفه إرهابية تقف خلف كل ادعاءات باطلة ضد حكم عبد الناصر وفترته،  وتنطلق في كل وسائل الإعلام للإساءة إليه،  ومنها هذا التسجيل الصوتي المذاع والمجتزأ من سياقه وأقيمت حوله العديد من النقاشات ، والندوات الإعلامية الموسعه...!!!

ثامنا :- في موضوع الثقافه والقوه الناعمه حدث ولا حرج عن تأسيس كل شئ ، وزارة الثقافه،سلسلة الألف كتاب ، الثقافه العماليه ، دار الأوبرا، معرض القاهره الدولي للكتاب ، هيئة المسارح والسينما ، الفنون التشكيليه، وظهرت الأغنية الوطنيه ، ولمع في أدائها أهم الشعراء ،والفنانين من أم كلثوم إلى عبد الحليم حافظ،  ومحمد عبد الوهاب ، كان هناك أفضل كتاب ، وأفضل مسرح ، وأفضل أغنيه ، وأفضل سينما ، الناس عندما تترحم على الزمن الجميل ترنوا ببصرها وذاكرتها إلى الماضي البعيد ، إلى حيث عطاءات الأباء ، والأجداد ، والأعراف ، والتقاليد ، والقيم الأسرية الجميله ، كل شئ بدأ ب عبد الناصر تعليم أبناء الفلاحين في المدارس والجامعات ، بداية البعثات العلميه إلى أوربا ، استقبال الوافدين والدارسين العرب الأوائل المؤسسين للتعليم والنهضة في بلدانهم ، النوادي الرياضية،  والثقافية، أزدهرت وأنتشرت في عهد عبد الناصر ، التجمعات السياسيه الوطنيه ، الإتحاد الإشتراكي ، ودار الشعب ، وإذاعة الشعب ، والبرنامج العام ، وإذاعة القرأن الكريم  انطلقت بقرار من عبد الناصر في ٢٥ مارس ١٩٦٤م،  قانون تطوير الأزهر وانفتاحه على العلوم الأخرى ظهر في عهد عبد الناصر( ١٠٣) لسنة ١٩٦١م ، كان عهدا زاخرا ، ومليئا بالأحداث الكبرى ....!!!

تاسعا: بعد أكثر من نصف قرن يعود الجدل من جديد بشأن عبد الناصر ، وما فعله في التاريخ ، وبخاصة على صعيد الصراع العربي - الإسرائيلي، وتحديدا القضية الفلسطينية،  وغني عن البيان أنه في الوقت الذي سعى فيه عبد الناصر إلى الوحده العربيه مع سوريا ١٩٥٨م ، وموقفه القومي من رفض تهديدات عبد الكريم قاسم الرئيس العراقي بابتلاع الكويت عام ١٩٦١م ، وقيادته لجهود تشكيل قوة ردع عربيه تحت راية الجامعه العربيه للتصدي لهذا العدوان .

 كان ياسر عرفات قد ظهر إلى الواجهه رئيسا لمنظمة التحرير الفلسطينية في العام ١٩٦٩م ، تزامنا مع تأسيس نايف حواتمه السياسي الأردني البارز للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين أيضا عام ١٩٦٩م ، حيث حرصا على أن يسلكا سلوكا منفردا بعيدا عن التنسيق مع عبد الناصر ، وكان أن  أخذهما بريق السفر من هنا إلى هناك ، والتنديد بالقضية الفلسطينية، ولم يوافقا على دخول عبد الناصر في مبادرة روجرز ، ومرة أخرى يضرب الانقسام القرار العربي .

على الجانب الأخر كان للولايات المتحده الأمريكية أنشطتها السياسية التي صبغتها بالطابع الإمبريالي المحض في إطار محاولتها إبعاد النفوذ السوفيتي عن منطقة الخليج العربي فاعتمدت سياسة العمودين المتساندين من خلال علاقاتها مع إيران الشاهنشاهيه،  والمملكة العربية السعودية،  في مواجهة حزب البعث العربي الإشتراكي في كل من العراق ، وسوريا ، والشاهد في كل ذلك أن المنطقه بأسرها كانت تمر بمرحلة تحولات عميقة وجذريه،  وتصريحات عبد الناصر عن هذه الحقبه كانت تتحدث عن واقع مرير للأمه العربيه المنقسمه على نفسها أصلا فماذا عساه أن يفعل عبد الناصر ،فالحرب يعلم أصحاب القرار متى يبدأوها لكن لا يعرفون أبدا متى ستنتهي ...!!!

عاشرا :- بالنظر إلى مفاهيم هذا العصر ولغة الخطاب فيه حيث صعود الحروب السيبرانيه إلى الواجهه، وتقنيات الذكاء الإصطناعي في ظل ثورتا الأنفوميديا،  والهايبرميديا، واعتماد الصراع في الراهن على حروب الجيل الرابع إلى التاسع من التفكيك عن بعد ، وإحداث الفوضى من الذئاب المنفرده، والجيوش السيبرانيه، عن طريق التركيز على مايلي  :-

  • التشكيك في الثوابت الوطنية،  وضرب الرموز ، والإنجازات ،  بل وتحويلها إلى إخفاقات،  وضعف للمرحله..!!
  • تأجيج بؤر النزاعات والانفعالات بين الدول الصديقة، والشقيقة،  وجعلها في حالة حروب غير منتهيه،  ومعارك نصف بادئه..!!
  • تصعيد الفئوية،  والجهوية، والطائفية، الاثنية، والدينية، والمذهبية لتكون بديلا للتماسك الجغرافي والقومي ...!!!
  •  كسر التحالفات الكبرى على أسس قوميه أو دينيه ، وأن تكون العولمه هي المرجعية الأولى والأخيرة،  وهنا لامجال للحديث عن أي دور لجامعة الدول العربية،  ومجلس التعاون الخليجي،  أو المرجعيه الشيعيه في قم أو النجف الأشرف.....!!!   
  • إنهاء حالة الإقتصاديات الوطنيه أو تجمعات نشأت خارج مؤسسات العولمه، والمعمار المالي العالمي المنطلق من وول ستريت،  وأعمدته الرئيسيه( صندوق النقد الدولي-البنك الدولي - منظمة التجاره العالميه ) ..!!!

حادي عشر:- كان جزءا لا يتجزأ من مشروع الفوضى الإقليمية،  وتفكيك الدول ، تحطيم صورة الكاريزما المستقره في الوعي، والعقل الجمعي العام للرؤساء العرب الفاعلين في التاريخ ، ومن ثم كان مشهد إعدام الرئيس العراقي صدام حسين فجر يوم عيد الأضحى المبارك ،وما له من رمزيه في بلاد المسلمين في في ديسمبر ٢٠٠٦م ، وإخراج الرئيس الليبي معمر القذافي من أنبوب للمياه ثم قتله على يد ما يسمى بالثوار في ٢٠ أكتوبر ٢٠١١م ، وهدم المنزل من فوق رأس الرئيس اليمنى علي عبد الله صالح، في ٤ نوفمبر ٢٠١٧م ، وهروب الرئيس التونسي بن علي ، والرئيس السوري بشار الأسد ، وجميعها في مشاهد سينمائية من إخراج معامل هوليود لاحداث التأثير المطلوب ، ومن لم يمت بالخديعه، قتل بالتفجيرات المباشرة،  مثلما حدث مع حسن نصرالله رئيس حزب الله اللبناني ، ومن قبل رفيق الحريري رئيس الوزراء اللبناني ، ثم إسماعيل هنيه ، ويحيى السنوار، لاشئ يستعصي على الهدم، والقتل، .إن قتل سمعة عبد الناصر ، وأداؤه السياسي العظيم على هذا النحو ، ووفق هذا المخطط، جزء لا يتجزأ من الاغتيال المعنوي الكبير للقيادات العربيه على مر التاريخ ...!!!

كان عبد الناصر على مدى خمسة عشر عاما وزياده ( ١٩٥٤- ١٩٧٠م ) في أدق فترات التحول العربي من الحقب الاستعمارية إلى حيث التحرر،  والاستقلال الوطني هو بحق صوت العرب المنطلق من القاهره للتعبير عن همومهم ، وشجونهم، وألامهم،  وأحلامهم، وأمالهم،  وتطلعاتهم المستقبليه، كان الزعيم العربي الوحيد الذي جسد البعد الدولي للقياده السياسيه العربيه في حركة عدم الانحياز، ومساجلة الرئيس السوفيتي نيكيتا خروتشوف في ١٦ مارس ١٩٥٩م في سنوات الغليان :

" لن نبيع بلادنا ولسنا تحت وصاية أحد ...."

" نحن لانستلهم الوحي،  ولن نستلهمه من أي عقيدة غير عقائدنا...."

عبد الناصر كان محيرا للأعداء ، فقد قال عنه ضابط المخابرات المركزيه الأمريكية يوجين جوستين في كتابه ،:( التقدم نحو القوه) :

" مشكلتنا مع عبد الناصر أنه رجل بلا رذيله،  مما يجعله من الناحية العمليه غير قابل للتجريح... نحن نكرهه ككل ، لكننا لا نستطيع أن نفعل تجاهه شيئا ...." 

قال عنه المفكر الإسرائيلي أمنون روبنشتاين: " إن سياسة عبد الناصر التي لا يمكن التشكيك فيها كانت قائمة على ...إمكانية تحقيق الوحده العربيه، ومعاداة الغرب وإسرائيل...." 

لقد كان من تجليات المشروع الناصري ، وبعد أن توفى جمال عبد الناصر ، أن أستشعرت النخبه العربيه المستقله مدى حاجتها إلى استحضار زخم عبد الناصر، وأفكاره فأنشأت عام ١٩٧٥م مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت من جموع العقول العربيه النافذه برئاسة المفكر العراقي الكبير خير الدين حسيب حتى العام ٢٠١٧م ، وخلفه في هذا المنصب الرفيع المفكر المصري أحمد يوسف أحمد، الذي أتخذ من الناصرية مشروعا، ومشروعيه للعمل الفكري العربي،وهو أهم مؤسسه بحثيه عربيه على الإطلاق في التاريخ الحديث والمعاصر، وعلى الرغم من أن غالبية الدول العربيه قد حاولت استنساخ تجربته،  إلا أنها لم تنل قيد أنملة من مكانته، ومصداقيته، وحضوره الطاغي في الوجدان العربي....!!!!

الكلام عن عبد الناصر في هذا التوقيت مهم ، ومهم جدا، لأن المستهدف هو الضرب في الثوابت، والمرتكزات، والجذور ، والقواعد ، لينهار المشروع المصري التاريخي برمته ، والمشروعيه التي تأسس عليها ، لقد سمح بالبرامج الإعلامية الرسميه ، والخاصه على مدى عقد ونصف العقد عبر قنوات الجزيره، والعربيه ، و بودكاست  عمار تقي لمؤسسة القبس الكويتية،  وغير هؤلاء جميعا الكثير من النوافذ،  والمنصات، ولا يجلب لهم المشاهده إلا الحديث عن عبد الناصر ، فالحديث عنه ذو شجون ،وقد تم ملاحظة مايلي:

  • اشتعال مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت على الجوانب الإيجابية البراقه للحقبه الناصريه ، وتخصيص وقفية رجل الأعمال الكويتي جاسم القطامي لتمويل مؤلفات عنه ،وكان أن صدر عن هذا المركز العريق : ( الطليعه العربيه.. التنظيم القومي السري لجمال عبد الناصر ١٩٦٥-١٩٨٦م لمؤلفه عبد الغفار شكر ثم كتابه الأخر عن: منظمة الشباب الإشتراكي، تجربة مصريه رائدة في إعداد القيادات ١٩٦٣-١٩٧٦م ، ثم كتاب، بثينه عبد الرحمن التكريتي: جمال عبد الناصر، نشأة وتطور الفكر الناصري ، وبعده كتاب مارليني نصر: التصور القومي العربي في فكر جمال عبد الناصر ١٩٥٢- ١٩٧٠م ، وكتاب : سعيد أبو الريش: جمال عبد الناصر أخر العرب ، واكتملت سلسلة الحديث عن عبد الناصر الملهم في التاريخ ،بكتاب مهم صدر عن لجنة المؤرخين المصريين بإشراف أ.د عادل حسن غنيم عن: جمال عبد الناصر وعصره).
  • ذهب الكثيرين من ضيوف برامج القنوات الفضائية المذكورة،  والمنصات المشار إليها، إلى إختيار،  وانتقاء ،و إستضافة أشخاص لهم مواقف سلبية ، بل وعدائيه من عبد الناصر شخصيا ثم من فترته ، وعصره، وصولا إلى الدوله المصريه ذاتها ، ولنا في ذلك بعض النماذج على سبيل المثال ، وليس الحصر:
  •     نموذج عبد الله النفيسي  أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت المنتمي لتيار الإخوان المسلمين ، والشيعي الهوى ، والرجل الغارق في التناقض حتى الثمالة،  لا ينتقد بأسلوب علمي منهجي رصين وموضوعي ، بل يستخدم ألفاظ من القدح ، والردح،  والشتم يعف لسان رجل الشارع العادي أن يستخدمها ، ويمتد عداؤه القح إلى كل رموز مصر على مر التاريخ ، وهو يحتاج إلى مواجهة عنيفة من النخبه المصريه لوقفه عند حده، المأساة أنه درس في مصر السنوات الجامعيه الأولى ، بل وفي عهد عبد الناصر ذاته ..!!! ، وقد أعددنا دراسه علميه منفصله عن هذا المقال  لمواجهة كل من تجاسر على مصر من هؤلاء...!!
  • خطورة الانتقاد ، والقدح،  أنه لا يأتي فقط من المؤدلجين المدجنين بالأصولية الدينيه الزاعقه ، بل يأتي أحيانا من المحسوبين على تيار الإعتدال السياسي ، بل من الليبراليين أنفسهم ، أمثال عبد الله الشايجي، وشفيق ناظم الغبرا، وسامي الفرج ، وحتي العسكري الإخواني الكويتي ، ناصر الدويله، وبعضهم مثل هذا الأخير لم تسلم منه الأسره الحاكمه في الكويت ، وتفتح لمثل هؤلاء المساحات والنوافذ الإعلامية للانتقاد، والتطاول بدعوى أن البودكاست يعطي حريات أكبر للضيوف،  ولا سقف لديه في القدح ، والردح ...
  • مثل هذه التجاوزات تحتاج إلى إستراتيجية مصرية موحده للمواجهة ، وردع مثل هذه الحروب الدعائية ضد عبد الناصر ، وعصره ، والدولة المصرية بصفة عامة...!!

في النهايه عبد الناصر بشر يخطئ ، ويصيب ، له ما له، وعليه ما عليه ، هناك تاريخ من الكاريزما العربيه المؤثره،  والكاسحه ، وله من الإنجازات الكثير ، والكثير ، وهناك أيضا أخطاء ، وسلبيات طبيعته طبيعة كل الحكام في كل زمان ، ومكان ، كان صوت العرب المنطلق من القاهره إلى العالم ، وكان حوله وسيبقى كل هذا الجدل حول المشروع، والمشروعيه...!!!

تم نسخ الرابط