ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

٠٠أساتذة الجامعة كنبات الخميلة منه مايروق  ويثمر كالفاكهة ومنه مايروق ولا يثمر كالصفصاف ومنها مالا يروق ولا يثمر كالهعخع والعشرق والخابور وفي النوع الأول يندرج طيب الذكر الدكتور حلمي القاعود  فهو يمثل الحلقة المفقودة بين الأدباء  والنقاد ٠كان بين الادباء كالجبل يوشيه الزهر وبين النقاد كالسهل يغطيه النبات كان مثقفا موسوعيا يعرف شيئا عن كل شي حتي ماتقوله الماشطة والنادبة والمنادي في الأسواق وكان صاحب مشروع اسلامي فرغ له جهد الصبا وعزم الشباب وصبر الكهولة لم يترك كتابا الا قرأه ولا مؤتمرا الا استبق اليه ٠ أياما وليالي بين الارشيفات والمخازن ودهاليز المكتبات ينقب في وثائقها وسجلاتها يبيض الكتب الصفراء ويهذب المخطوطات الشعثاء ويصل المصباح بالصباح كأن الصبح لم يتنفس ولم يزل الليل لباسا والعرق الساخن يأتلق علي جبينه السامق كما تأتلق قطرات الندي علي وجه السجنجل٠٠لم يسترفد يوما رصيده الأكاديمي بعضوية ظنينة في لجنة أو مجلس أو مجمع أوجماعة أوصورة أو لقطة مع مسؤول تستعلن موكبه علي حنجرة الدهماء فقد ظلت   هوية الأمة  شغله الشاغل حتي حلت من نفسه محل الغرض من السعي والغاية من الحياة كانت رسالته في المجتمع رسالة  الأديب يضع يده في خسارته فتربح وينفخ في عكارته من روحه  فتصفو وبهذا بدر هلاله وامتد موجه وصار مدرسة لها في الجامعات المصرية والعربية تلامذتها ومريدوها وبها كان ينطوي علي عرق نرجسي فكانت علاقته بالكبار علاقة أنداد وحق له حتي لتخاله ولد كبيرا   فهم في حضرته لايثيرون القلاقل لأن غايتهم أن يعلموا ولا يهيجون الفناقل لأن متعتهم أن يفهموا وكان الناشئة يقتبسون  منه الي حد الأغارة فاذا قلت له في ذلك بادرك بصوت يختلج مازحا خير السرقة مالا يجب فيه القطع ولا يقدح في ملكيتك لبيتك أو يمنع الانتفاع به أن يعاونك أحد في بنائه ليستند الي جداره أو يفيئ الي ظله وهو في الطريق اليه ٠نصف قرن ونجمه يلتمع  في محيطه الإكاديمي كما يأتلق الفجر في هوادي الليل وكان التماعه  في حقبة تشاهبت نجومها وتراصدت شهبها وتصدر المشهد أعقام الفكر وأعذاب الخبرة ووجد الرجل نفسه بأزاء فوضي من المثاقفات لا يجمعها الا التناقض والاستلاب وتدمير الذات وأدرك أن بيعتهم ستكون  نسيئة وتجارتهم رديئة وبضاعتهم مزجاة وأنهم لم يقتتلوا الا علي الثريد الأعفر وأن  تعاركهم بالسفاسف وتفارسهم بالغرائز يفوق الكلاب الضالة تقتتل علي جيفة وتصطرع علي كلبة حتي لكأنما قضوا كراهم أو كأن الذي يقضي العقار سقاهم ٠ بعضهم يتخذ من الوافد اطارا لصورته وقاعدة لتمثاله وبعضهم يقف منه موقف تماثيل المسرح من شخوص التراجيديا يظل ينتظر حتي يتحلل هذا الأخر من الداخل ويسقط ذاتيا وبعضهم أثر أن يكون كدجاج المزرعة يمشي مكبا علي وجهه ينقنق للقمحة في طريقه الي الصائد متكئا علي عصاه  لا يدري ماتحتها من فخاخ هي أدني من شراك نعله ٠التراث والوافد كلاهما فيه الغث والسمين فما كان سمينا يتجرعه ويسيغه وماكان غثا يركمه جميعا ويصنع به ما صنع عثمان بكل مصحف غير مصحفه ولم يشأ في تأصيله الذات أن يكون كالعنكبوت لا تنسج خيوط بيتها الا مما تؤتيه أمعاؤها وانما أثر أن كالنحلة تأكل من كل الثمرات ثم تخرجه شرابا مختلفا ألوانه ٠ لم يكن وراقا يتسلل من السقوف الي الرفوف ثم يسقط علي الحواشي ويتسكع في المماشي ثم ينظر من صير الباب ليملأ عينيه من شيئ غيره ولم يكن مؤلفا بالمعني التراثي خذ كلام فلان من هنا وضعه هنا وقل مؤلفه انا ٠كان يقرأ التراث بروح الفنان وقريحة الشاعر وعين الأديب وخبرة العالم٠٠ وكان لابد دون الشهد من أبر النحل فقد  نزلت به نوازل لو نزلت بالضواري لمحت من جبينها معالم الشجاعة وطمست من طبيعتها غريزة الافتراس ولكنه كان في مواجهتها كالملاح الماهر تناوئه الرياح فلا يحور وتناوشه الأمواج فلا يخور في يده بوصلته وفي عقله خارطته لايقف عند القاع ولا يستقر عند الشاطئ وانما يضرب بيديه في الاعماق ليستخرج كامن الدر من كامن الصدف وتفاعلت بداياته الازهرية مع نشأته الأدابية وبيئته  البحراوية لتخلع علي أسلوبه لونا من الجزالة الرقيقة فتراه يقودك وكأنه يتبعك ويأمرك وكأنه يستشيرك ٠٠وبالامس نعاه الناعي فأصاخت الأذان وتنبهت الأعين وكان وداعه وعزاؤه مظهر إجلال أرهف الشعور الشعبي بدموع العمداء والوزراء فضلا عن قريته "المجد" مركز الرحمانية التي ولد في مربعها ودرج في مرعاها جاءوا يودعونه بما بقي في عيونهم من عبرات يذرفونها علي نعشه وبما حملوا في ايديهم من باقات ينثرونها علي قبره طيب الله بالرضوان ثراه كان في حياته ورحيله  كقطرات العطر فاحت في نفح النسيم ثم تلاشت مع عصف الريح ونحن اذ نذكره اليوم  فانما هي كلمة عزاء لابنه وقرة عينه صديقنا الراقي الدكتور محمود بها نسجل في صفحة الخلود لافي دفتر الوفيات أن اباه كان انسانا مر في ثقافتنا العربية والاسلامية وترك فيها بصمات عميقة بعمق انسانيه وعالميته ونبل أخلاقه وسيظل المكان الذي شغله في قلوب محبيه هو ذاته الفضاء الرحب الذي خلا برحيله ومهما ظهرت نجوم والتمعت كواكب فسيظل المتن الكبير الذي يحتاج الي شرح كما تكون النجوم في الليلة الظلماء شرحاطويلا لمعني أفول البدر ٠٠

تم نسخ الرابط