ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

ربما تظنهم وهم على المنصة آلة تطلق الأحكام دون حسٍ أو شعور؟ أو أن قلوبهم غلفٌ لا يشعرون، بيد أنهم في خلواتهم يبكون من وجع القضاء..
في كتابه الجديد "مَن قال إن القضاة لا يبكون؟" يُطالعنا الكاتب المستشار "بهاء المري" بالوجه الإنساني للقاضي في محرابه.
وإليكم أُنموذجًا قال فيه:
"في تلك الليلة‎...‎‏ لم أنَم‎.‎‏ خلعتُ عباءة القضاء، لكنني لم أخلع ‏ثقلها‎. 
وضعتُ قلمي جانبًا، لكن الضمير بقي يصيح داخلي كطفلٍ ضائع فقد ‏أمه في الزحام‎.‎‏ كأنَّ الحكم الذي نطقته نهارًا، كان مجرد بداية لمحاكمةٍ ‏أخرى... لا تنتهي‎.‎
أنا القاضي، نعم، لكن من يُنصف القاضي إذا خسر إنسانيته ‏على محراب العدالة؟ من يُطفئ حريق الإحساس بالوجع؟ حكمتُ ‏على القاتل... لكنني لم أستطع إنقاذ نيرة‎.‎‏ فما فائدة الحكم إذا وصل ‏متأخرًا عن روحٍ أزهقت؟ وما جدواه إذا صار وجه الضحية مجرد ‏صورةٍ في الملف؟
أيا نيرة، لم أركِ إلا في صورٍ رسَمها الطب الشرعي، لكنني ‏شعرتُ بكِ كأنك ابنتي‎...‎‏ أو ربما كنتُ أنا في لحظةِ انهياركِ، أصرخ ‏ولا يسمعني أحد‎.‎
كنتِ عطرًا يمشي على قدمين، ضوءًا يُقاوم الظلمة بابتسامة، ‏وردةً أُقتُطفتْ من شرفة الحياة، وأُلقي بها في قاع الذهول‎.‎‏ كل شيءٍ ‏فيكِ كان حياة… حتى موتك كان صاخبًا، عنيدًا، يصرخ في وجهي‎:‎‏ ‏‏"أين كنتَ يا قاضينا؟‎"‎
سألت نفسي ألف مرة‎:‎‏ هل فاتني شيء؟ هل كنا نستطيع أن ‏نمنع الجريمة لو أنصتنا أكثر لصرخات الخوف التي تُقال همسًا؟ أين ‏كنا حين رأينا الحب وهو يتحول إلى سكين؟ هل خُذلت نيرة… ‏بقانونٍ يحاكم بعد وقوع الكارثة، لا قبلها؟
صراعي الحقيقي لم يكن مع القاتل، بل مع عينيَّ… حين ‏نظرْتُ إلى وجوه الحاضرين في الجلسة، وأنا أنطق بالحكم، أين كنا ‏وأين كنتم ونيرة سقطت من سماء المجتمع كنجمة مذبوحة؟
أيها الليل‎…‎احكم بيني وبين نفسي، هل أنصفتُ نيرة؟ هل ‏طبقت القانون أم لذتُ خلفه كي لا أواجه وجهي الحقيقي؟ هل العدل ‏هو أن نُعاقب القاتل… أم أن نمنع الجريمة قبل أن تولد؟
أيا نيرة‎…‎‏ حين حمَلتُ القلم لكتابة الحيثيات، نزف الحبر ‏كأنما كان دمي‎.‎‏ كل سطرٍ كان خِنجرًا في مشاعري، كل فاصلة كانت ‏تنهيدةً،‎ 
وكل نقطة نهاية… كانت دمعتي‎.‎
سأظل أكتب، ليس لأُبرر الحكم، بل لأقاوم الندم‎.‎‏ لأذكِّر نفسي ‏أنَّ العدالة لا تكتمل في القاعة،‎ ‎بل تبدأ هناك… في تربية النفوس، ‏في حماية القلوب، في قول الحقيقة حتى لو كانت تجرح‎.‎
لكنني اليوم، كقاضٍ، أُدين نفسي بالوجع، أحكم على ضميري ‏بالتيقّظ الدائم، وأترك هذه الكلمات‎...‎‏ وصيّة لكل من يظن أن القضاء ‏منصبٌ، إنه وجعٌ لا يُشفى، وأنينٌ لا يسمعه أحد… سوى الله‎.‎"
بهاء المري

بهاء المري
بهاء المري
تم نسخ الرابط