لم أكن يومًا أظنُ أنَّ المنصةَ سترتجفُ بي، كما ارتجفَت يوم نَظرتُ في قضية ذلك الصبي- الابن الوحيد لأبيه المتوفي - وقد تَجاوز سن الطفولة بأسبوع واحد.
في يومٍ قرر فيه العودة باكرًا من عمله، تفجَّرت الحقيقة كصفعة لا تُنسَى. فتح باب المنزل ليجد أمه، التي يكافح لأجلها، عارية في حِضن رجلٍ غريب. لحظة واحدة كانت كافية لتَسقط فيها كل الصور، كل المعاني، كل التضحيات
قطعت الأوراق بإدانته، بل واعتَرف، والقانون واضح، والنصوص لا تحتمل تأويلاً… لكن قلبي، لم يكن بين السطور.
نظرتُ إليه في القفص... لم أرَ مجرمًا، بل رأيت ابنًا مكسورًا. صبيًا نحتَت الأيام على ملامحه وجع الرجال، وحين تفجرت أوجاعه، لم تجد طريقًا إلا السكين. لم يكن قاتلًا… كان إنسانًا صُدم بما لا يُحتمل، وما رآه لم يكن مشهد خيانة فقط، بل انهيار عالمٍ بأكمله فوق رأسه.
كنتُ القاضي، نعم… لكنني في تلك اللحظة كنتُ أبًا، وكنتُ ابنًا، وكنتُ رجلًا يعرف جيدًا ماذا يعني أن تُطعَن من أقرب الناس، وألا تجد للكرامة دواءً إلا الغضب.
كنت أستمع إلى اعترافه، ولم يكن في صوته خُبث، بل بكاءٌ مكتوم. كأن كل كلمة يقولها، كانت طعنة في صدره هو لا في صدر ضحيته. هو لم يهرب، لم يُنكر، لم يطلب حتى شفقة. وقف أمامي كمن ينتظر القصاص، لا لأنه يراه عدلًا، بل لأنه فقد كل شيء ولم يعد يخشى شيئًا.
خفَّفتُ العقوبة نعم... – حسبما يُخوِّلنا القانون – ولكني وأنا أكتبُ المنطوق، كانت يدي تقاوم. وعينيَّ تتوقف عند كل حرف. كل ما فيَّ كان يصرخ: "ليس هذا هو المذنب الحقيقي!" وفي الوقت نفسه، أعلم أن القانون لا يعرف أن يرحَم القلوب، بل يحاكم الأفعال.
كتبتُ الحكم… لا لأنني أردتُ، بل لأنني مُجبَر. لا لأنني لا أشعُر، بل لأن العدالة ليست دائمًا رحيمة، ولا تُعطى للقاضي مساحة ليبكي أو يعفو.
شعرت أنني لا أُدين طعنة، بل أُدين صَرخة ألم. لا أُعاقبُ مجرمًا، بل أضعُ قلبًا جريحًا خلف القضبان.
خرج الصبي من القاعة، وبقيتُ أنا أمام مرآتي، أواجهُ قاضيًا مهزومًا من الداخل، يعرفُ أن حُكمَه كان صحيحًا في نَصِّه، لكنه مُوجِع في معناه.
وها أنا أقولها، لا كقاضٍ، بل كإنسان: العدالة التي لا تُراعي القلوب. أحيانًا، تترك وراءها ضحايا أكثر مما تُنقذ.