ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

لم أكن يومًا أظنُ أنَّ المنصةَ سترتجفُ بي، كما ارتجفَت يوم نَظرتُ في ‏قضية ذلك الصبي- الابن الوحيد لأبيه المتوفي - وقد تَجاوز سن الطفولة بأسبوع واحد.‏

‏في يومٍ قرر فيه العودة باكرًا من عمله، تفجَّرت الحقيقة كصفعة لا ‏تُنسَى. فتح باب المنزل ليجد أمه، التي يكافح لأجلها، عارية في حِضن ‏رجلٍ غريب‎. ‎لحظة واحدة كانت كافية لتَسقط فيها كل الصور، كل المعاني، ‏كل التضحيات ‏

قطعت الأوراق بإدانته، بل واعتَرف، والقانون واضح، ‏والنصوص لا تحتمل تأويلاً… لكن قلبي، لم يكن بين السطور‎.‎

 نظرتُ إليه في القفص... لم أرَ مجرمًا، بل رأيت ابنًا مكسورًا. صبيًا ‏نحتَت الأيام على ملامحه وجع الرجال، وحين تفجرت أوجاعه، لم تجد ‏طريقًا إلا السكين. لم يكن قاتلًا… كان إنسانًا صُدم بما لا يُحتمل، وما رآه لم ‏يكن مشهد خيانة فقط، بل انهيار عالمٍ بأكمله فوق رأسه‎.‎

كنتُ القاضي، نعم… لكنني في تلك اللحظة كنتُ أبًا، وكنتُ ابنًا، ‏وكنتُ رجلًا يعرف جيدًا ماذا يعني أن تُطعَن من أقرب الناس، وألا تجد ‏للكرامة دواءً إلا الغضب‎.‎

 كنت أستمع إلى اعترافه، ولم يكن في صوته خُبث، بل بكاءٌ مكتوم. ‏كأن كل كلمة يقولها، كانت طعنة في صدره هو لا في صدر ضحيته. هو لم ‏يهرب، لم يُنكر، لم يطلب حتى شفقة. وقف أمامي كمن ينتظر القصاص، لا ‏لأنه يراه عدلًا، بل لأنه فقد كل شيء ولم يعد يخشى شيئًا‎.‎

خفَّفتُ العقوبة نعم... – حسبما يُخوِّلنا القانون – ولكني وأنا أكتبُ ‏المنطوق، كانت يدي تقاوم. وعينيَّ تتوقف عند كل حرف. كل ما فيَّ كان ‏يصرخ: "ليس هذا هو المذنب الحقيقي!" وفي الوقت نفسه، أعلم أن القانون ‏لا يعرف أن يرحَم القلوب، بل يحاكم الأفعال‎.‎

 كتبتُ الحكم… لا لأنني أردتُ، بل لأنني مُجبَر. لا لأنني لا أشعُر، ‏بل لأن العدالة ليست دائمًا رحيمة، ولا تُعطى للقاضي مساحة ليبكي أو ‏يعفو. ‏
شعرت أنني لا أُدين طعنة، بل أُدين صَرخة ألم. لا أُعاقبُ مجرمًا، ‏بل أضعُ قلبًا جريحًا خلف القضبان‎.‎

 خرج الصبي من القاعة، وبقيتُ أنا أمام مرآتي، أواجهُ قاضيًا ‏مهزومًا من الداخل، يعرفُ أن حُكمَه كان صحيحًا في نَصِّه، لكنه مُوجِع في ‏معناه‎.‎

وها أنا أقولها، لا كقاضٍ، بل كإنسان‎:‎‏ العدالة التي لا تُراعي ‏القلوب. أحيانًا، تترك وراءها ضحايا أكثر مما تُنقذ‎.‎

تم نسخ الرابط