من عجيب حكم الله في تشريعاته أن تجمع بين صلاح الدنيا وعمارة الآخرة، فترى الحجيج يجمعهم ربنا تبارك وتعالى في مكان واحد، وزمن واحد، يعبدونه، ويوحدونه، وتتلتقي معارفهم وآراؤهم، وتتعانق مكاسبهم، ليكونوا يدا على من سواهم، ولو سعى المسلمون لتحقيق هذا المعنى ما استطاعت قوة على وجه الأرض أن تنال منهم
في آيات الحج يأتي قوله تعال في سورة البقرة:
{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا۟ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَٰتٍ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ ۖ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ (١٩٨)} ليشير أن اجتماع المسلمين في هذا المكان يفتح أمامهم الباب لينالوا فضل الله، وفضله واسع، فهلا فهم المسلمون هذا المعنى وحققوه؟
من جرائم المشركين في حق النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا ينهون الناس عن الإيمان به، وينأون هم كذلك عنه حتى لا تصير له قوة، ولا يتمكن من بناء دولة الإيمان
قال تعالى في سورة الأنعام:
{وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْـَٔوْنَ عَنْهُ ۖ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٢٦)}
لقد هيأ الله للمسلمين فرص التلاقي بدعوة منه حتى تلتقي قلوبهم مع أجسادهم وهم على الحق، فانشغلوا بغير ما دعوا له على حين التقى عدوهم على باطله وهم على الحق المبين
ومن حكم الحج وأسراره إعمار الآخرة
فنجد الحق جل وعلا يفتتح سورة الحج بالحديث عن يوم القيامة :
{يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ (١)
يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَٰرَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ (٢)}
والمتبادر أن يحدثنا عن تلك الفريضة، لكنه لم يفعل ذلك، وفي سياق الحديث عن أعمال الحج يشير إلى الحشر وهو أمر متحقق للعودة إلى الله تعالى
قال تعالى في سورة البقرة:
{۞ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ فِىٓ أَيَّامٍ مَّعْدُودَٰتٍ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)}
أرأيت قوله تعالى ( وأعلموا أنكم إليه تحشرون )
والكلام عن أعمال الحج في منى، فما علاقة ذلك بالحشر ؟
إن أول معلم من معالم الحج الإحرام، وهو أمر يذكر الناس بأكفانهم التي حتما سيلبسونها وهم يودعون دنياهم، وقد جردت منهم الدنيا بكل ما فيها
كل ذلك ليشير إلى أن الحج فرصة عظيمة لإصلاح آخرتنا،
ولعل تأخير الحج في الذكر في حديث النبي صلى الله عليه وسلم بني الإسلام على خمس .....وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا
ليؤكد هذا المعنى من أن الحج وسيلة لصلاح الآخرة
فهلا أفاد المسلمون من هذه المعاني وغيروا حياتهم ليقودوا الدنيا بدينهم ؟