لا ينتابني أي شك في أن مفهوم الجريمة بمعناه الواسع يحمل في طياته أعقد سلوك إنساني على الإطلاق.
إن المدلول القانوني للجريمة يمكن إدراكه وحصره فى أركان
النص القانونى. الركن المادى. الركن المعنوى ثم أخيراً عدم توافر سبب من أسباب الإباحة يحيل بين الفعل الذي ارتكب ووصفه بالجريمة.
هذا هو المدلول القانوني الذى كان محل دراسة النظرية العامة لقانون العقوبات. لكن لأن الجريمة لم تعد ومنذ عقود طويلة السلوك الذى يمكن معالجته قانوناً فقط ومن ثم فقد تواترت كل الدراسات التي تتعلق بالجريمة على أن القاضي الجنائي لن تكون له القدرة الكافية على إدراك جسامة مهامه إلا إذا أحاط بعدة علوم اتفق معظم الفقهاء على تقسيمها إلى ثلاث مجموعات هي كالتالى:
المجموعة الأولى:
تشمل العلوم القاعدية أو القانونية وهى:
١- القانون الجنائي بشقيه الموضوعي الذى يتمثل فى قانون العقوبات القسم العام والقسم الخاص. والإجرائى الذى يتمثل فى قانون الإجراءات الجنائية.
٢- تاريخ القانون الجنائى.
٣- فلسفة القانون الجنائي.
٤- علم الاجتماع القانونى الجنائي.
٥- السياسة الجنائية.
٦- علم العقاب.
المجموعة الثانية:
وتشمل العلوم التي تتناول الجريمة والمجرم بطريقة وصفية وتفسيرية وهى:
١- علم الانتروبولوجيا (البيولوجيا الجنائية) وهو العلم الذى يهتم بدراسة علوم الإنسان ككائن جماعي ولذلك يسمى بعلم الإنسان.
٢- علم النفس الجنائي.
٣- علم الاجتماع القانوني.
٤- علم الإجرام.
المجموعة الثالثة:
وتحتوي على ما تسمى بالعلوم المساعدة وهى:
٢- علم الطب الشرعي.
٣- علم النفس القضائي.
٣- علم الطب العقلي.
٤- علم البوليس الفني أو فن التحقيق الابتدائي كما كان يطلق عليه الدكتور رمسيس بهنام.
هذه هى المجموعات الأساسية التي يجب أن يحيط بها القاضي الجنائي قبل اعتلاء منصة القضاء.
أقول أنها المجموعات الأساسية من ناحية وبما يفيد أنها ليست حصرية وأقول من ناحية اخرى أنه يجب عليه لأن الأمر ليس من قبيل الترف الفكري أو المعلوماتي.
لماذا أقول ذلك؟
ولماذا أحمل القاضي الجنائي هذا العبء الثقيل؟
أقول أن هذه نتيجة منطقية وأيضاً عادلة تتناسب مع الحجم الهائل من التعقيد الذى تحمله الجريمة، باعتبار أن السلوك الإجرامي بعد أخطر الظواهر التي يجب أن تستوقف المجتمع كافة والمتخصصين في القانون الجنائي بصفة خاصة.
التعقيد الذى يُغلف به السلوك الإجرامى يقتضي النظر إليه من جوانب عدة مختلفة لا تقتصر أبداً على الجانب القانوني لأن هذا الأخير يضحى فى أحيانٍ كثيرة أفقر الجوانب التى يمكن أن ينظر إليها القاضي الجنائي.
عندما تحال إلى القاضي الجنائي جريمة قتل ابن لأمه بطريق الحرق في الطريق العام والدليل قائم بالأوراق من شهادة شهود رؤية حاولوا إخماد النيران الذي اشتعلت به بينما صاحبته تحاول أن تتشبث بالحياة كغريزة فطرية تنتاب كل البشر فى مثل هذه اللحظات.
هنا سيكون النص القانوني حاضراً وستكون الظروف المشددة في القتل من سبق إصرار وكل عوامل تشديد العقوبة حاضرة وسيتهيأ الرأي العام حتماً لسماع الحكم بالإعدام شنقاً.
هذا كله مقبول قانوني ومبرر قضائي وليس هناك في الحقيقة أيسر على القاضي الجنائي من أن يُنزل النص القانوني على الواقعة المقدمة إليه بأمر الإحالة.
لكن شتان ما بين إعمال النص بطريقة آلية وبين أن يبعث القاضي الروح فى النص وأن يستدعي بكل ما أتت به العلوم التى أشرنا إليها لكى يستطيع أن يفسر سلوكاً هو ضد أى تصور عقلي وفطري ثم يصنع بعد ذلك ما يستقر عليه ضميره ووجدانه دون إملاء عليه من أحد ودون أن يكون ثمة تأثير من الرأي العام على ما استقر عليه.
عندما يحال إلى القاضى الجنائى جريمة قتل أب لولده أو قتل أم لولدها وهو أمر أيضاً ضد أى تصور عقلي أو فطري.
كيف لا يستدعى علم النفس الجنائى وعلم الطب العقلى من أجل الوقوف على أبعاد هذا السلوك؟
هل يكتفي بتطبيق النص؟
بكل تأكيد إن فعل ذلك لن يأتى حكمه إلا قاصر حتى ولو احتمى بنص عقابي لأن النص هنا سيأتي منزوع الروح وهو أمر أبعد ما يكون عن طبيعة عمل القاضي الجنائي.
عندما يحال إلى القاضى الجنائي جريمة هتك عرض فتاة دون الثامنة عشر.
ماذا تتخيلون أن يصنع؟
النص القانوني سهل التطبيق والدليل قائم.
هناك إغواء لفتاة لم تبلغ بعد سن الرشد الجنائي.
إذن يُنزل النص العقابي وينطق حكمه في جلسة علانية وانتهى الأمر.
يذهب المجرم إلى حيث يقضى العقوبة بينما تذهب الفتاة إلى حيث مجتمع لن يقبلها والمأساة تصل إلى ذروتها عندما تكتشف أن هناك جنيناً قد نبت في أحشائها.
هل هذا هو المنشود من السياسة العقابية الحديثة.
هل هذا هو منتهى الحكم الجنائي أن تُصاغ أسبابه وفقاً للقانون من سرد واقعات وأسانيد ومنطوق ثم ينسخ الحكم ويوقع ويودع وانتهى الأمر.
كلا .. !
ليس هذا هو منتهى عمل القاضي الجنائي
ماذا لو طلب الخصوم أجلاً لإتمام الزواج.
ماذا يحول بين القاضي وبين الستر.
والله لا يحول بينه وبين الستر حائل لأن الله وكما يقول كل البسطاء فى عبارة عفوية عبقرية قد أمر بالستر.
هنا يكون لزاماً على القاضب الجنائي أن يستدعى علم الاجتماعي القانوني الجنائي وفلسفة القانون الجنائي وعلم السياسة الجنائية وغيرها من العلوم دون أن يكتفى أبداً بالنص القانوني الذى يغدو أهون الأركان فى مثل هذه القضايا.
عندما يُقدم إلى القاضي الجنائى جريمة قتل عمد مع سبق الإصرار كانت المتهمة قد حملت سفاحاً ثم قتلت طفلها حال ولادتها ولادة طبيعية فى إحدى المستشفيات العامة وقت أن كانت تقضي عقوبة الحبس على ذمة إحدى القضايا.
هنا نردد ما سبق قوله وهو أن استدعاء النص القانوني سهل جداً.
إنها جريمة قتل عمد مع سبق الإصرار.
النص موجود والظرف المشدد حاضر والرأى العام يتلهف لحكم الإعدام لتلك الخاطية التى تحمل سفاحاً تارة ثم تقتل طفلها تارة أخرى.
هذا سهل جداً لكن عندما يستدعي القاضي الجنائي علم الطب الشرعي وهو أحد العلوم المساعدة بل الرئيسية في الحقيقة.
عندما يستدعى هذا العلم سيجد أن المجنى عليه لم يكن طفلاً حال إزهاق روحه بل كان ما يزال جنيناً وذلك بدليل علمى مستقر عليه وهو أن المجنى عليه لم يكن في لحظة إنهاء حياته قد اعتمد على ملكاته فى التنفس والغذاء بعيداً عن الحبل السرى الذى كان مازال يحمل له أسباب الحياة من رحم أمه إذن هو جنين وليس طفل.
إذن الجريمة إجهاض وليست قتل عمد.
إذن العقوبة تختلف كل الاختلاف من حبل المشنقة إلى الحبس وربما أعمل القاضي أيضاً أثر وقف التنفيذ.
استدعاء الطب الشرعى هنا كان بمثابة الخيط الرفيع بين الحياة والموت.
ربما كان أشبه بالحبل السرى الذى كان له القول الفصل فى القضية.
مهمة القاضى الجنائي أيها السادة ليست فقط فى تطبيق النص.
هذه آخر الحلقات وأهون الحلقات لكن هناك حلقات أخرى أعظم من تلك بكثير.
القاضي الجنائي ربما يتفق عمله مع الجراح ذلك الذى يشق صدر المريض الذى أسلم له الجسد غائباً عن الوعى يثق فى المشرط الذى يشق جسده من أجل أن يستفيق على حياة جديدة.
ربما كان حكم القاضى مثل هذا تماماً غاية الأمر أن مشرط القاضي ليس فى قطعة المعدن الصغير حادة الطرف الذى يُشق به الجسد بل فى العلوم الجنائية بمعناها الواسع التي لم يعد هناك مفر من الإحاطة بها.
هذا إذا أردنا أن يكون الحكم القضائي مثل حياة جديدة للإنسان وللمجتمع وسواء جاء حكم ببراءة أو إدانة.