في زمنٍ يظن فيه القوي أنه يُرفع فوق القانون، ويتوهم فيه الضعيف أنه يُطوى تحت عجلات النفوذ، تَخرج إلينا واقعة مؤلمة من ملفات المحاكم، لا لتُضاف إلى أرشيف الجرائم، بل لتُوقظ فينا ما تبقَّى من ضمير، وتنثر الأسئلة في وجه مجتمعٍ بات الصمت فيه مشاركة، والخوف فيه شريكًا في الجريمة.
رجلٌ آمن في بيته، بين زوجته وأطفاله، يُختطف في جنح الليل على يد مجموعة مسلحة متنكرة، يقودها خصمٌ استغلّ خلافًا شخصيًا وسخّر المال ليُقيم عدالته الخاصة.
لم يكن هذا الرجل من أصحاب النفوذ أو الجاه. كان مواطنًا بسيطًا، لا يملك إلا بيته وأمانه. فهل أصبح الأمان ترفًا في أوطاننا؟ وهل بات الفقر جريمة لا تُغتفر في عرف أصحاب المال؟
في هذه الواقعة، لم يُستخدم المال لإنقاذ مريض أو إطعام جائع، بل صُرف لصناعة مشهدٍ بوليسي متكامل: سيارات، أسلحة، كمامات، تزييف لصِفة ضباط المباحث، وانتهاك صارخ لحُرمة بيت وكرامة إنسان.
بل الأسوأ، أن بعض المتواطئين باعوا ضمائرهم، وشاركوا بالصمت أو التسهيل، ليصبح المال المفتاح السحري لشراء النفوذ، وتعطيل القانون، وتكميم الأفواه.
فهل هذا هو المجتمع الذي نريده؟ أن نعيش في ظلال مال قادر على أن يُحوّل صاحب المشكلة إلى قاضٍ، والمظلوم إلى مختطف، والمنزل إلى ساحة حرب؟
قال تعالى: "ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقًا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون" البقرة: 188.
الآية الكريمة تحذّر من تحويل المال إلى أداة للظلم، وتقرّ بأن من يفعل ذلك إنما يحارب شرع الله ذاته.
إن أخطر ما في مثل هذه الوقائع، هو الصمت المجتمعي. حين نخاف من المواجهة، أو نبرّر للمجرم لأنه "ذو مال وسلطة"، فإننا بذلك نمنح الظالم رخصة للاستمرار، ونتحول من ضحايا إلى متواطئين.
الشر لا يقوى بكثرة أتباعه، بل بضعف مقاوميه. قال رسول الله ﷺ:
"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" [رواه مسلم.
أين نحن من هذا الحديث؟ هل تبلدت قلوبنا حتى بات الظلم مشهدًا معتادًا؟ هل تعودنا على صور الضرب والإهانة والخطف، حتى صرنا نعتقد أن من لا نفوذ له، لا حق له في العدالة؟
في الدولة الحقيقية، العدالة لا تُشترى، ولا تُختطف، ولا تُدار من خلف الكواليس. العدالة الحقّة تُقام لحماية الضعيف من القوي، لا العكس.
إن من اختطف هذا الرجل، لم يسرق جسده فقط، بل سرق لحظة أمان من أعين زوجته، وارتجافة رعب من بين أنفاس أطفاله، وجرحًا غائرًا في ثقة مجتمع بأكمله.
علينا أن نُعيد تأكيد هذه المعاني في مدارسنا، في إعلامنا، في بيوتنا، وفي قاعات المحاكم. فغياب الوعي الجمعي هو أخطر من الجريمة نفسها.
لا تنسوا أن الليل مهما طال، فالفجر قادم. وأن الظلم، وإن علا صوته، قصير النفس. وأن مالكم، إن لم يكن في خدمة الحق، سيكون خصيمكم يوم يقف الناس صفًا للحساب.
قال الله تعالى في الحديث القدسي: "يا عبادي، إني حرّمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرّمًا، فلا تظالموا..."
افتحوا أعينكم، لا تسكتوا عن الباطل، وعلّموا أبناءكم أن الكرامة لا تُشترى، وأن الحق لا يُخاف منه، وأن الفقير قد يكون في ميزان الله أغنى من أغنياء الأرض.
ففي النهاية، كل ما يبقى هو أثر الإنسان: هل كان ظالماً أم عادلاً؟ هادمًا أم بانيًا؟ قاتلاً للكرامة أم حارسًا لها؟