ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

غربت شمس الليالي العشر بإشراقاتها وأنوارها وتجلياتها وقد أوشكت حياتي أن تغرب معها ليلة يوم عرفات المبارك ؛لكن لُطف الله كان قريبًا ،وتوارت منازل يوم عرفة برحماته ،ويوم النحر بتهليله وتكبيراته وبهْجاته ،وليالٍ وأيامٍ لا ندري هل يبلغنا الكريم منازلها مرة ثانية رحمة دنيوية ،أم نتلقّاها أخروية ،وقد كنت بالفعل قد بدأت مقدمات إحيائها أُخروية مساء يوم التروية الماضي ،لكن الكريم حباني وأنعم عليّ في هذه الليلة الرحيمة بتروية عُلوية ،وحفظني من حادث مؤلم على أبواب مدينة المنصورة وأنا متوجه إليها لأداء واجبِ عزاءٍ لأسرة أحد أساتذتنا رحمه الله رحمة واسعة ،أنقذني من موت مُحقّق وأنا أسير وحدي مؤتنسًا بالكريم الرحمن الرحيم ،أتبتّل بأُنْسِ تاج الذكر(لاإله إلّا الله ،وحده لاشريك له ،له الملك وله الحمد ،يُحيي ويُميت وهو على كلّ شيءٍ قدير،عليها نحيا ،وعليها نموت ،وعليها نلقى الله ،وعليها نُبعث إن شاء الله آمنين ) ؛آمنين بعفوه وكرمه ،ولطفه ورجمته ،نجّاني الكريم لعلّي أعمل صالحًا وأعيش ماتبقّى من عُمري مُلبّيًا لبّيك ربّنا ماحييت ،فلك الحمد يا ربّنا كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم عفوك وسلطانك ،نعم مضت هذه الأيام المباركة سريعة .. مرّت منازل الرحمة الربانية ،والسكينة والمغفرة والفرحة العُلْوية ،وخفَتَ الحمدُ والتكبير والتهليل والتلبية لخالق البرية مع غروبها ،مرّت كل هذه التجليّات الربّانية كالبرق الخاطف وكأنها لحظات منامية .. 
   لكن ماذا لو كانت أيام دهرنا كلها منازل الخير هذه ؛بأنوارها ،وكمالاتها ، وإشراقاتها ، ورحماتها وبهْجاتها التي سكنّاها وسكنتنا منذ أيام ؟ ماذا علينا لو سرنا في طُرق الخير بأبوابه الوفيرة بعد أن فتحها الفتّاح لنا يوم عرفة ، وغفر لنا ما أسلفنا وما قدّمنا ؟ ماذا علينا لو زكّينا أنفسنا طوال العام بالصيام والقيام وتعهّدنا كتابَ الله تلاوة وتدبّرًا وتعبّدًا، والفقراءَ والمساكينَ والمحتاجينَ إنفاقًا ورعايةً ، وأرحامَنا برًا وصلةً وأنسًا ورحمةً ؟ ماذا علينا..؟ ماذا علينا..؟ ماذا علينا لوكنّا مسلمين مؤمنين حقًا ؟ ما ذا علينا لو استقمنا على هذه الطريقة الإسلامية القويمة ؟ .. الإجابة عن كل ذلك عند الكريم العاطي الوهّاب سبحانه وتعالى :{ وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا }،سورة الجن:( آية 16). 
     لذا يُستحبّ بعد أنْ جدّدنا العهد مع الله في أيام الرحمة والمغفرة المنصرمة - أنْ يفتحَ كل مسلم لنفسه طُرق الخير ؛وطرق الخير كثيرة ، منها : الصوم ،والقيام ،والصدقات ،وصلة الأرحام ،وكثرة الدعاء ،وما أجدرَ بنا أن نُحيي هذه الأيام الكريمة في نفوسنا طوال العام ،ولا نظلم أنفسنا ،ونَفُضّ عن أعيننا وقلوبنا غِشاوة الغفلة التي جعلت كثيرًا من أبناء الأمة : غارقًا في المال الحرام ، مُفسدًا في الأرض ،مُسْتَحِلًّا أعراض خلق الله ،مخدوعًا بفكر هدّام خوارجيّ ،عاقًا لوالديه ،قاطعًا لرحمه ،تاركًا لصلاته ،أو متكاسلًا  ،مُتكبّرًا ،طاغيًا ،مُختالًا ،فخورًا ،مُسرفًا ، وكل ذلك ؛النجاةُ منه أبسط شيء ،وهو في الوعي والإيمان ثم العمل بهذه الآية الكريمة { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ  } الحشر : (من الآية 7 ) ،وقد أتانا رسولنا الرحمة المهداة بالكثير والكثير من أنوار ربنا سبحان جلّ وعلا ،وأعظمها في هذا المقام قوله تعالى :{ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ... } التوبة : (36) .
   فكلّ الشهور ربّها واحد ،لنصل – والله تعالى أجل وأعلم - إلى أن الآية الكريمة تدعونا :ألّا نظلم أنفسنا بمعصية الله ،تدعونا لنَبْرأَ من كُلّ ما حرّمه الله ،تدعونا لِصلَةِ ما أمرنا الله به أنْ يُوصل ،تدعونا إلى الفرار إلى الله .. فنُعظّم شعائره كاملة  ،{ ذلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ } الحج :(32 )،وشعائر الله أوامره ونواهيه ،وتعظيم ذلك هو تعظيم لله وإجلاله ،والتعظيم هنا يكون بإجلال أيام الله ؛بالقلب والروح والجسد ،ومحبّتها ،وإقرار العبودية لله تعالى فيها ،فلا تهاون ،ولا تكاسل ،في فرارك إلى الله دائمًا علّنا نفوز بعفوه ورضاه ..
أجدر بالأمة أن تحيا هذه المنازل النورانية طوال العام  قلبًا وروحًا وجسدًا ، إيمانًا وعملًا ، خُلقًا وحديثًا ، فلماذا لا نفر إلى نور الله في المساجد طوال أيام العام ، والله تعالى كفل لنا فيها الخير كل الخير { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (*) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ(*) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } النور : (الآيات : 36- 38 ) .. 
  أجدر بالمسلم أن يعيش حاجًا طوال الأيام ، والحبيب المصطفى (صلّى الله عليه وسلّم قال فيما رواه أبو أُمامة الباهليّ : " مَن خرَجَ مِن بيتِه متطهِّرًا إلى صلاةٍ مكتوبةٍ، فأجْرُه كأجرِ الحاجِّ المُحرِمِ، ومَن خرَجَ إلى تسبيحِ الضُّحى لا يُنصِبُه إلَّا إيَّاهُ، فأجْرُه كأجرِ المُعتمِرِ، وصلاةٌ على أثَرِ صلاةٍ لا لَغْوَ بينَهما كتابٌ في عِلِّيِّينَ " .
    أجدر بالمسلم أن يعيش طوال عمره مُنفقًا في سبيل الله وقد أمرنا الكريم بهذا في محكم تنزيله سبحانه : { وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِين } سورة المنافقون:(10) . جاء في الأثر أنّ امرأة عرضت على الإمام فخر الدين الرازي أن تتصدّق بزيتٍ لسراجِ المسجد ، فقال لها : تُريدينَ نُورَ صدقتِكِ أنْ يصلَ إلى سقفِ المسجدِ ،أو إلى عرشِ الرحمن ؟! قالت المرأة الصالحة : إلى العرشِ . قال لها الإمام : إنْ جعلتِها زيتًا في السراج ، وصَلَ نورُها إلى سقفِ المسجد ، وإنْ جعلتِها في بطنِ جائعٍ وصلَ نورُها إلى العرش " ، ما أجمل أن نعيش الرحمة والتراحم ، ونستجيب لله ولرسوله طوال أيام عمرنا ‘علّ الله يديم علينا رحماته وتجلياته ، ويبارك لنا في منازل خيره وكرمه وبركاته ،ما أجمل أن نتضرّع إلى الله  ونجأر: لبّيك الله ما حَيينا ، لبيّك ربّنا الرحمن الرحيم ما حيينا .

تم نسخ الرابط