المحكمة تقضي ببراءة مواطن لبطلان القبض والتفتيش قانوناً
"حين تهدر الشرعية الإجرائية، يسقط الدليل، وتنتصر العدالة للحرية؛ فليست الغاية فقط ألا يفلت المجرم من العقاب، بل ألا يُدان البريء. هكذا قضت المحكمة ببراءة ع.ع ، بعدما ثبت بطلان القبض والتفتيش، وغياب أي دليل مستقل يبرر إدانته قانوناً."
قالت محكمة جنايات دمنهور برئاسة القاضي سامح عبد الله في حيثيات حكمها في القضية رقم ٧٠٦١ لسنة ۲۰۲۳ جنايات مركز كفر الدوار والمقيدة برقم ٦٥٨ لسنة ۲۰۲٥ كلي شمال دمنهور، أنها بعد تلاوة أمر الإحالة وسماع طلبات النيابة العامة والمرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
حيث إن النيابة العامة اتهمت ع.ع، لأنه في يوم ١٨ / ٣ / ۲۰۲٥ بدائرة مركز شرطة كفر الدوار / محافظة البحيرة.
- أحرز جوهراً مخدراً حشيش في غير الأحوال المصرح بها قانوناً.
- أحرز بقصد الاتجار جوهراً مخدراً (هيروين) في غير الأحوال المصرح بها قانوناً.
- أحرز سلاح أبيض (مطواة بدون ترخيص على النحو المبين بالتحقيقات.
وطلبت عقابه بالمواد ۱ ، ۲ ، ۷/۱، ٣٤/۱ بند أ ، ٢ بند ٦، ٤٢/١ من القانون ۱۸۲ لسنة ١٩٦١ المعدل والبند رقم - ۲ - من القسم الأول - أ- من الجدول رقم - 1 -والبند رقم - ٥٤ - من القسم الثاني من الجدول رقم - ١ - الملحق بالقانون الأول والمستبدل بقرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم ٦٠٠ لسنة ۲۰۲۳ والمواد ۱ ١ ، ٢٥ مكرراً / ۱ ، ۳۰ / ۱ من القانون رقم ٣٩٤ لسنة ١٩٥٤ المعدل والبند رقم - ٥ - من الجدول رقم - ١ - المرفق بالقانون الأول .
وركنت في إسنادها إلى ما شهد به شاهد الإثبات وما ثبت من تقرير المعمل الكيماوي.
فقد شهد نقيب محمد مشالي أنه بناء على تحريات سرية بقيام المتهم بحيازة وإحراز المواد المخدرة في غير الأحوال المصرح بها قانوناً وكذلك حيازة وإحراز الأسلحة النارية والذخائر بغير ترخيص استصدر إذناً من النيابة العامة لضبط وتفتيش شخص ومسكن وملحقات مسكنه المتهم وأنه تنفيذاً لهذا الإذن قام بالقبض على المتهم حال تواجده بالطريق العام وتحديداً عند ناصية شارعه وبتفتيشه ضبط بجيب البنطال - فيست - الذي يرتديه مطواة عليها آثار مواد مخدرة وكذا ضبط علبتي سجائر تحتوي الأولى على إحدى وثلاثين قطعة صغيرة الحجم لمخدر الحشيش وتحتوي الثانية على سبع وعشرين لفافة كل منها يحتوي على قدر من جوهر الهيروين المخدر.
وثبت من تقرير المعمل الكيماوي أن المضبوطات لجوهري الحشيش والهيروين المدرجين بجدول المواد المخدرة وأن المطواة عليها آثار حشيش.
وحيث إنه باستجواب المتهم بتحقيقات النيابة العامة أنكر ما نسب إليه من اتهام وقرر أنه تم القبض عليه بتاريخ ١٦ / ٣ / ٢٠٢٥ الساعة التاسعة مساءً عقب انتهاء صلاة التراويح بمنزله بقرية أبيس.
وحيث إنه بجلسة المحاكمة حضر المتهم معتصماً بالإنكار وحضر معه محام والمحكمة استمعت إلى شاهد نفي فشهد بأنه شاهد قوة من الشرطة تقوم بالقبض على المتهم من منزله يوم ١٦ / ٣ / ٢٠٣٥ الساعة التاسعة مساءً عقب انتهائه من أداء صلاة التراويح. والدفاع الحاضر مع المتهم طلب براءته مما نسب إليه من اتهام تأسيساً على بطلان القبض والتفتيش لوقوعهما قبل إذن النيابة العامة وكذلك لعدم جدية التحريات وعدم معقولية تصوير الواقعة، وقدم أصل برقية تليغرافية تدليلاً على صحة دفعه ببطلان القبض والتفتيش.
بطلان القبض والتفتيش
وحيث إنه عن الدفع ببطلان القبض والتفتيش لوقعهما قبل إذن النيابة العامة فإن المحكمة تقدم لقضائها بالقول أن المشرع ومن بعده أحكام القضاء قد أحاطوا قواعد القبض والتفتيش بضمانات جدية باعتبار أنها من القواعد الأساسية التي تمس مخالفتها مصلحة جوهرية في المجتمع ، تتمثل في حماية الحرية الشخصية بما يكون له مردود مباشر على حماية المجتمع كله، باعتبار أن أهم عنصر في تكوين المجتمع هو الفرد ذاته. وهذه الأهمية هي التي حدت بمحكمة النقض المصرية في أول الأمر أن تعد البطلان الراجع إلى مخالفة القواعد الأساسية للقبض والتفتيش من قبيل البطلان الذاتي) أي من النظام العام ( نقض ۲۷ ديسمبر (۱۹۳۳) تحكم به محكمة النقض من تلقاء نفسها ، أكثر من ذلك أن محكمتنا العليا في هذا التطور من أطوار قضائها ، قد تجاوزت في ذلك السبيل الحدود التي رسمتها محكمة النقض الفرنسية، فقضت بأنه إذا أوجب القانون عند إجراء التفتيش حضور شهود فهذا إجراء جوهري تمس مخالفته النظام العام لما فيه من معنى العلانية .
نقض ٤ مارس سنة (۱۹۳۵) وحتي بعد أن عدلت محكمة النقض عن خطتها هذه وجرى قضاؤها على أنه إذا كان الطاعن لم يتمسك أمام محكمة الموضوع ببطلان التفتيش فلا يجوز له أن يطعن أمام محكمة النقض بهذا البطلان ، إلا إذا كان ما جاء في الحكم من الوقائع دالاً بذاته على وقوعه ، إذ القول بهذا البطلان يستوجب تحقيقاً موضوعياً وذلك مما لا شأن لمحكمة النقض به نقض ۳۱ مايو سنة ١٩٤٣)
نقول أنه حتى بعد أن عدلت المحكمة العليا عن هذا النهج فقد بات راسخاً في أحكامها أنه متى تقرر بطلان التفتيش أو الضبط فإنه يتناول جميع الآثار التي تترتب عليه مباشرة ، بمعنى أنه يتعين على المحكمة أن تطرح الدليل المستمد منه، فلا يصح لها الاعتماد عليه ولا على شهادة من أجروه ولا على ما أثبتوه في محضرهم أثناء هذا التفتيش من أقوال واعترافات مقول بحصولها أمامهم من المتهم لأن مثل هذه الشهادة تتضمن في الواقع إخبار متهم عن أمر ارتكبوه مخالفاً للقانون .
(نقض ١١ يونيه سنة ١٩٣٥)
لكن بطلان التفتيش لا يترتب عليه حتماً البراءة ، بل تجوز إدانة المتهم بناء على أدلة أخرى منفصلة عن التفتيش الباطل.
كما أن زوال البطلان جائز برضاء المتهم شرط أن يكون صريحاً لا لبس فيه، حاصلاً قبل التفتيش وعن علم بظروفه، فلا يستنتج من مجرد السكوت، إذ من الجائز أن يكون هذا السكوت منبعثاً عن الخوف والاستسلام فاستناد محكمة الموضوع إلى هذا الرضاء الضمني لا يصح . نقض ۲۸ ديسمبر (١٩٤٢) بل إن البطلان لا يزول بالرضاء ولو كان صريحاً إذا كان من حصل التفتيش لديه لا يعلم قبل إجرائه بأن من يباشره لا حق له قانوناً في ذلك . (نقض ۱۱ نوفمبر سنة ١٩٤٦ . نقض فرنسي ١٥ أبريل سنة ١٩٣٤)
وحيث إنه بعد هذا التقديم نقول إنه وإن جاز لمأمور الضبط القضائي القبض على الأشخاص وتفتيشهم فإن ذلك يجب أن يكون تحت مظلة الشرعية الإجرائية التي رسمها المشرع وهو أن تتوافر لديه حالة من حالات التلبس بالجريمة كما تناولتها المادة - ٣٠ - من قانون الإجراءات الجنائية على سبيل الحصر، أو أنه تحصل على إذن من النيابة العامة للقبض والتفتيش ، أو صدور أمر منها بضبط وإحضار المتهم وأخيراً إذا كان القبض لتنفيذ حكماً قضائياً واجب النفاذ. فإذا ما وقع القبض والتفتيش خارج هذا النطاق فلا يمكن أن يوصما إلا بالبطلان.
وحيث إنه لما كان ذلك وكان الثابت من الأوراق أن إذن النيابة العامة الصادر بضبط وتفتيش شخص ومسكن وملحقات مسكن المتهم قد صدر يوم ١٧ / ٣ /٢٠٢٥ الساعة السابعة مساءً بينما قدم محام المتهم أصل برقية تليغرافية مرسلة من شقيق المتهم استقبلها مكتب الاتصالات المختص يوم ١٦ / ٣ / ٢٠٢٥ الساعة التاسعة وثماني وخمسين دقيقة مساءً يشكو فيها من القبض على المتهم يوم الأحد الموافق ١٦ / ٣ / ۲۰۲٥ من منزله وهو ذات ما قرره المتهم بالتحقيقات وكذلك ما شهد به شاهد النفي أمام المحكمة، الأمر الذى يثبت معه بالدليل القاطع أن القبض على المتهم وتفتيشه قد وقعا قبل استصدار إذن النيابة العامة بما يقارب يوماً كاملاً مما يوصمهما بالبطلان.
فلما كان ذلك وكانت الأوراق قد خلت من أية دليل مستقل عن الدليل الباطل يمكن أن يسند إلى المتهم من توافر حالة تبرر القبض عليه وتفتيشه على نحو وأوضحته المحكمة أو إقرار صادر عنه بارتكاب الجريمة سواء أمام سلطة التحقيق أو أمام المحكمة الأمر الذى لا تتردد المحكمة معه في القضاء ببراءته مما نسب إليه ومصادرة المخدر والسلاح الأبيض المضبوطين.
والمحكمة إذ تذهب بقضائها إلى انتهت إليه ببراءة المتهم تنوه إلى أنه ليس من المقبول أن تُهدر الشرعية الإجرائية على هذا النحو ثم تقدم الأوراق إلى القضاء ظناً أنه يمكن أن يبث فيها صحتها التي زالت عنه وشرعيتها التي نزعت منها، بينما على القضاء أن ينتصر إلى الشرعية الإجرائية التي أملاها النص الدستوري بما يمتلكه من علو وإلي النص الإجرائي بما يحمله من قطع. كما أن المحكمة تُذكِّر في هذا المقام بتلك الكلمات المضيئة التي جاءت بتقرير لجنة الشيوخ وتقرير اللجنة التشريعية بمجلس النواب عن مشروع قانون الإجراءات الجنائية الصادر في 3 سبتمبر ١٩٥٠ والتي تقول:
"ولئن حق العقاب على الطالح فإن الحرية أحق بالصالح ، ولن يكون الغرض من أحكام الإجراءات الجنائية ألا يفلت المجرم من العقاب فحسب، بل كذلك ألا يتعرض البرىء لما يتعرض له المدان ، فيجب أن تحقق قواعد هذه الإجراءات للمجتمع بحقين يصعب التوفيق بينهما: ألا يفلت الأثيم من العقاب والثاني ، احترام الحريات"