كان دستور ١٩٢٣ قد أُعلن بالفعل وأصبح هو الحاكم للبلاد.
عرفت مصر أشكال من الدساتير قبله لكن هذا الدستور يعد أول دستور حقيقي للبلاد. ليس ذلك فحسب بل يضعه الفقهاء الدستوريين وغيرهم من سياسي مصر على رأس الدساتير المصرية عبر تاريخها لما حملته مواده من الحفاظ على الهوية المصرية وإرساء أسس علاقة رشيدة بين الدولة والفرد تقوم فيها المؤسسات بالدور الأكبر في الحكم وليس الملك.
لم يلبث الدستور أن أُعلن حتى صار أو خلاف دستوري أو بالأحرى اختبار دستوري بين سعد زغلول باشا رئيس حزب الوفد الذي حاز على أغلبية مكنته من تشكيل الوزارة والملك فؤاد.
أراد سعد زغلول باشا بصفته رئيس الوزراء المنتخب أن يعين أعضاء مجلس الشيوخ طبقاً للدستور ثم تقدم بقائمة بأسماء أعضاء الشيوخ الذين يرشحهم للوزارة.
أراد الملك فؤاد أن يتدخل في الاختيار برفع بعض الأسماء وترشيح آخرين لكن سعد زغلول باشا رفض ذلك تماماً باعتباره مخالف للدستور، ذلك أن توقيع الملك على المرسوم هو إجراء شكلي لا يعني أن له حق مناقشة المرسوم.
استحكم الخلاف بينهما حول تفسير النص الدستوري وما إذا كان من حق الملك أن يتدخل في اختيار ما وقع عليه اختيار رئيس الوزراء من أسماء أعضاء مجلس الشيوخ أم لا.
اتفقت الأطراف على اللجوء إلى العالم البلجيكي: "فان بوش"
Van Bosch
وهو فقيه دستوري وكان دستور ١٩٢٣ قد استوحى صياغته وبعض أحكامه من الدستور البلجيكي وهو أمر متعارف عليه عند وضع الدساتير. ( الدستور الأمريكي والذي يعد واحد من أقوى الوثائق الدستورية في التاريخ استوحى أفكار من المفكرين الفرنسيين أمثال فولتير ومونتيسيكو وجان جاك روسو وغيرهم)
أفتي العالم البلجيكي بالآتي:
"إن مبدأ عدم مسئولية الملك يعتبر أساس هذا النظام الذي يقضي بأن الملك لا يتولى سلطته إلا بواسطة وزرائه وهو مبدأ لا يتحمل أي استثناء من الوجهة القانونية، بل يمتد إلى جميع أعمال الملك، فإذا استثنى عمل واحد فإن هذا الاستثناء يصيب النظام الدستوري في روحه وأساسه، لذلك أرى أن تعيين أعضاء مجلس الشيوخ يجب أن يكون بناء على ما يعرضه مجلس الوزراء"
وأنتصر سعد باشا زغلول في هذه المعركة وكان له ما شاء وفقاً للدستور.
ثم صارت الحياة الدستورية بعد ذلك بمصر بين ثبات وبين رضوخ.