حاولت الإخوان فترة حكم المرشد ، أن تعمل كيان موازي من الإرهابين بديلًا للجيش المصري ، يكون هو الحامي للنظام وليس الدولة ، إسوة بدول كثيرة ، كان لها كيانات ومليشيات عسكرية موازية للجيش الوطني ، حزب الله في لبنان ، الحشد الشعبي في العراق ، الحوثين في اليمن ، الدعم السريع في السودان ، حماس في فلسطين ، والحرس الثوري في إيران …..
قام الجيش المصري بمواجهة هذا التحرك عسكريًا في سيناء ، وسوف نتناوله بالتفصيل عند الحديث عن الدور الذي لعبه الأمن في مواجهة الإرهاب بعد ثورة ٣٠ يونيو .
ليبقى سؤال من الأهمية طرحه لتوضيح الرؤية :
هل الميليشيات المسلحة والجيوش الموازية ، حماية للدولة أم تهديد لكيانها ؟
في عالم ما بعد الدولة القومية المستقرة، تصاعدت ظاهرة الميليشيات المسلحة والجيوش الموازية داخل عدد من دول الشرق الأوسط. وقد ظهرت هذه الكيانات تحت شعارات متباينة، مثل: “المقاومة”، و”حماية الثورة”، و”مساندة الجيش”، لكنها في المحصلة أصبحت قوى منفصلة أو متفوقة على الدولة نفسها، وتشكّل تهديدًا لبنيتها ووحدتها.
لهذا ولتوضيح الرؤية ، سنحاول تسليط الضوء على ثلاث تجارب بارزة: سوريا، السودان، وإيران. ونطرح سؤالًا جوهريًا :
هل ساهم وجود هذه الجيوش غير النظامية في حماية الدولة عند تعرضها للاعتداء، أم كان سببًا في إضعافها وتفككها؟
أولًا سوريا :
مع اندلاع الأحداث السورية عام 2011، سرعان ما انقسم الجيش النظامي وتراجعت سيطرته على الأرض ، ولتعويض هذا التآكل، استعان النظام بميليشيات محلية مثل “الدفاع الوطني”، إضافة إلى دعم خارجي واسع من حزب الله اللبناني وميليشيات شيعية مدعومة من إيران، وصولًا إلى التدخل الروسي العسكري المباشر.
رغم استعادة النظام السيطرة على أجزاء كبيرة من سوريا بفضل هذه القوى، فإن البلاد أصبحت مقسّمة نفوذًا بين أطراف متعددة، منها القوات التركية، قوات سوريا الديمقراطية المدعومة أمريكيًا، والفصائل المسلحة المتحالفة مع إيران وروسيا.
و النتيجة لم تحم الميليشيات الدولة السورية، بل حمت النظام على حساب وحدة الدولة، وأدخلت البلاد في حالة من التبعية والانقسام والسيادة المجزّأة.
ثانيًا السودان :
تمثل تجربة السودان أحد أخطر النماذج في تمركز قوتين عسكريتين داخل الدولة : الجيش النظامي وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، التي نشأت أصلًا من ميليشيات “الجنجويد” في دارفور وتم دمجها لاحقًا شكليًا في المنظومة العسكرية.
لكن سرعان ما تفجّرت الخلافات بين الطرفين لتتحول في أبريل 2023 إلى حرب مفتوحة دمّرت العاصمة الخرطوم ومزقت السودان جغرافيًا واجتماعيًا ، وباتت مناطق بأكملها خاضعة لسيطرة جماعات مسلحة خارجة عن القانون، وسط انهيار مؤسسات الدولة الأساسية.
وكانت النتيجة تعدد الجيوش داخل الدولة والذي قاد إلى صراع على الشرعية، وانتهى بانهيار الدولة نفسها.
ثالثاً إيران
الحرس الثوري الإيراني هو النموذج الأكثر تنظيمًا لجيش موازٍ داخل دولة حديثة ، تأسس عام 1979 بعد الثورة، وكان هدفه حماية النظام الثوري من التهديدات الداخلية والخارجية.
لكن مع مرور الوقت، أصبح الحرس قوةً عسكرية-أمنية-اقتصادية ذات نفوذ يفوق الجيش النظامي.
عبر ذراعه “فيلق القدس”، قاد الحرس الثوري مشروع إيران الإقليمي ، من خلال دعم جماعات مسلحة في العراق، لبنان، سوريا، فلسطين، واليمن. كما لعب دورًا أساسيًا في قمع الحركات الاحتجاجية داخل إيران، وتعزيز السلطة السياسية للمرشد والمؤسسات المرتبطة به.
لكن عن الاعتداءات الخارجية و ابتداءً من 2023، صعّدت إسرائيل عملياتها داخل إيران، عبر اغتيالات وهجمات سيبرانية وضربات نوعية ضد منشآت نووية وعسكرية ، وفي أبريل 2024، نُفذ هجوم مباشر بطائرات مسيّرة داخل العمق الإيراني .
رغم هذه التهديدات، عجز الحرس الثوري عن منعها بالكامل، واقتصرت ردوده على عمليات محسوبة لتجنّب التصعيد.
وكانت النتيجة رغم قوته الخارجية، لم يتمكن الحرس الثوري من حماية سيادة الدولة الإيرانية في الداخل، مما أظهر مفارقة واضحة بين دوره الإقليمي وقدرته الدفاعية الفعلية على أرضه
من هنا يمكن القول أن الميليشيات والجيوش الموازية ، مهما تعددت مسمياتها، أثبتت في معظم الحالات أنها تحمي الأنظمة أكثر مما تحمي الأوطان، وتُستخدم كأدوات نفوذ إقليمي أو قمع داخلي، بينما تعجز عن التصدي للتهديدات الخارجية الحقيقية أو تحقيق تماسك وطني.
إن بناء الدول لا يتم عبر تفتيت السلطة الأمنية، بل عبر جيش وطني موحد، خاضع للمساءلة، ومكرّس لحماية السيادة لا الولاء السياسي ، وهذا جزء هام من عقيد الجيش المصري .