ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

حدثت يومًا أستاذي فضيلة الدكتور النبوي شعلان وهو المعروف بالهوى الرافعي، وقلت له: رأيت كثيرًا من الأدباء قد جُسدت شخصياتهم في مسلسلات درامية تليفزيونية، رأينا مسلسلا عن طه حسين والعقاد ويوسف السباعي وأمير الشعراء أحمد شوقي ونزار قباني وغيرهم كثير، ولم أر يومًا مسلسلاً مستقلاً لشخصية الأستاذ مصطفى صادق الرافعي، وهو من أعظم قامات الأدب المصرية، وأعلم الأدباء باللغة، والمفكر الجسور، الذي سما في دنيا الأدب سموًا لا يدانيه فيه كثير من أترابه، كان له سمته الخاص وذائقته المميزة وأسلوبه المتفرد، الذي شهد به القاصي والداني، والخصم قبل الصديق.
كان الرافعي رحمه الله من أشد فرسان المعارك الأدبية التي شكلت مسار الثقافة المصرية، وطورتها وأزكتها وبلغت بها ذراها، وطُبعت في ذاكرة الوطن، وجعلت له الريادة المعرفية.. كان الرافعي مُلهم الوطنية ورمزًا من رموزها فهو صاحب ومؤلف النشيد الوطني لمصر والذي سبق النشيد الحالي (بلادي بلادي) وكانت كلماته الخالدة يُرددها شعب مصر صباح مساء بكل طوائفه وشرائحه، في المناسبات والأعياد، والملاحم والخطوب. 
ألَّف الرافعي نشيده الوطني بكلماته العذبة التي قال فيها:
اسلمي يا مصر إنني الفدا * ذي يدى إن مدت الدنيا يدا
أبداً لن تستكيني أبداً * إنني أرجو مع اليوم غداً
ومعي قلبي وعزمي للجهاد * ولقلبي أنت بعد الدين دين
لك يا مصر السلامة *  وسلاماً يا بلادي
إن رمى الدهر سهامه * أتقيها بفؤادي
واسلمي في كل حين.
كلمات الرافعي وأنت تقرأها تجزم بعقلك وقلبك وروحك أنها كلمات لم ينطق بها مجرد شاعر يَنظم أبياتا، وإنما رجل أحب مصر، وملك حبها شغاف قلبه، وتربع على وريده، وألهب مشاعره.  
حياة الإمام الرافعي لم تكن حياة فاترة أو هادئة مسالمة، وإنما كان الرجل فارسًا بقلمه يخوض الملاحم الفكرية والأدبية مدافعًا عن هوية بلاده وحضارة أمته وتراثها الثمين.. ورغم الخصومة الشرسة مع أترابه من عمالقة الأدب، فإنهم كانوا يدركون عظمة موهبته ويحسبون لها ألف حساب، بل شهدوا لها كأعجوبة من أعاجيب البيان. 
لم يكن الرافعي من المتزلفين بأقلامهم وبيانهم لأصحاب الحظوة والمناصب، ولم يُسخره للمديح والإطراء، وإنما كان ذو مواقف أبية شجاعة، تعكس اعتزازه بنفسه، واحترامه لكلمته وتقديره لقلمه. 
عاش الرافعي إنسانًا ككل البشر، يُسَر ويغضب، ويسعد ويحزن، ويكره ويعشق، لكن عشق الرافعي جعل قلمه يخط لنا أسفارًا تحمل رسائله التي لم يكن لها مثيل في عالم الحب العذري، وظلت إلى اليوم قِبلة العشاق، تعبر عن مكنون شعورهم، وتترجم ما يريدون نطقه من أحاسيس، كتبها الرافعي بقلم العاشق ومداد المستحيل، حتى أنك مع كثير من عباراته تتعجب وتقول: كيف استطاع أن يصيغ مثل هذه المعاني بمثل هذا الأسلوب؟
لم يكن أدب الرافعي بمعزل عن الدنيا والناس، ولم يكن نبتًا أثمر في قبو المكتبات، وإنما كان مرآة صادقة لواقع الحياة وآلام الجماهير، إذ كان يمشي في الشارع ويعيش بين البشر، وكلما وجد ما خطف مشاعره وحرك أحاسيسه هرع إلى قلمه يسجل ما يعبر عن العاجزين، وينطق بآلام المكلومين، فأين نحن من مقاله: "عروس تُزف إلى القبر"؟ وأين نحن من كتابه "المساكين" الذي جاء تعبيرًا عن حال كثير من التعساء؟ ولله در صديقه العريان حينما وصفه بقوله: "كان يحمل هم الشعب في قلبه الكبير"
ترك الرافعي إرثا عظيماً لا يمكن تجاهله لعشاق الأدب العربي، وحفر اسمه في ذاكرة مصر كرمز من رموزها العظيمة، واليوم نحتاج إلى إحياء سيرته، لتعرفه الأجيال، ونبعث في وجدانهم أدبه، ونلفتهم إلى قمته الشاهقة، ووطنيته الصادقة. 
ويبقى السؤال: هل يمكن أن نرى قريبًا مسلسلا دراميًا عن الأستاذ الرافعي؟

تم نسخ الرابط