ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

في أقل من أسبوع، تحوّلت منطقة الشرق الأوسط إلى ساحة مشتعلة تُعاد فيها كتابة قواعد الاشتباك، وتتفكك فيها أساطير القوة المنفردة والردع التقليدي. الضربة الجوية الواسعة التي شنتها إسرائيل ضد مراكز القيادة والسيطرة الإيرانية، ومنشآت بحوثها النووية، ومنصات صواريخها، تبعتها سلسلة من الاغتيالات النوعية في صفوف الحرس الثوري وقيادات عسكرية عليا في النظام الإيراني.

غير أن إيران لم تسقط. بل استوعبت الضربة سريعًا، وانتقلت إلى مرحلة “الرد المتراكم”: رشقات صاروخية يومية تستهدف مواقع أمنية واستراتيجية داخل إسرائيل، ضربات غير مركزية ولكنها مستمرة ومنهكة ومُربِكة، لم يشهد الشعب الإسرائيلي مثيلًا لها منذ قيام دولته.

النتيجة أن إسرائيل باتت أمام أكبر أزمة داخلية استراتيجية منذ نشأتها: منظومتها الدفاعية تهتز، ومراكز حيوية أُصيبت، وصورة الردع التي كانت تتفاخر بها أمام المنطقة والعالم انكشفت أمام صواريخ طهران المتنوعة.

البيت الأبيض و”رجل الأعمال المتردد”: ترامب في لحظة اختبار

الرئيس الأميركي دونالد ترامب، رغم نبرته الصارمة وتهديداته المتكررة، لم يتخذ بعد قرارًا واضحًا بالدخول المباشر في الحرب. يتأرجح بين حسم عسكري استعراضي كما فعل سابقًا مع قاسم سليماني، وبين رغبة في توظيف التهديد لأغراض سياسية داخلية وانتخابية.

- حتى الآن، تبدو واشنطن في حالة شلل استراتيجي، لا تسعى للتصعيد المباشر، لكنها لا تمانع في توسيع هامش المناورة لإسرائيل. ومع انعقاد جلسة طارئة لمجلس الأمن اليوم، فإن الموقف الأميركي قد يُعلن عنه بوضوح: لن نحارب من أجل أحد، لكننا نريد حماية التوازن… توازن يبدو أنه يتفكك.

- إسرائيل: القوة التي نُزعت عنها الهالة

في الوقت الذي قصفت فيه إسرائيل أهدافًا إيرانية بدقة عالية، لم تستطع أن تمنع الرشقات اليومية التي تطال عمقها. وهذا ما أدى إلى اهتزاز غير مسبوق داخل الجبهة الداخلية، فقد طالت الضربات منشآت أمنية، ومراكز تكنولوجية، بل وحتى مقار سرية يُعتقد أنها تتبع للقطاع الاستخباري أو النووي.

الصدمة الكبرى لهم أن هذه الضربات لا تأتي في “يوم الغضب”، بل هي استنزاف منظم طويل النفس، يرعب المدنيين، ويحرج المؤسسة العسكرية، ويطرح أسئلة وجودية:
هل ما زالت إسرائيل قادرة على حماية شعبها؟
وهل أمريكا ستقاتل في صفها في هذه المواجهة ؟
- ثم يجب ان يُطرح هنا سؤالا هاما من الولايات المتحدة وهو هل آن الأوان لإعادة صياغة العلاقات بدون رزالة أمريكية مع الدولة المحورية مصر، خاصة في ظل التعقل المصري تجاه ما يجري؟

- سوريا الجديدة: من النظام العلوي إلى الدولة السُنية

في خضم هذه المعركة، دخلت سوريا مرحلة جديدة كليًا. سقوط نظام بشار الأسد، وصعود الرئيس الجديد “أحمد الشرع”، الذي يمثل الثورة السورية في صورتها الوطنية السُنية، يعني أن النفوذ الإيراني في سوريا يتعرض لتصفية سياسية واجتماعية لا تقل عن العسكرية.

الشارع السوري يرفض إيران، لا يثق بها، ويتهمها بسنوات من القتل والدمار. والرئاسة الجديدة لا تجد مبررًا لبقاء القوات الإيرانية أو ميليشياتها. وهذا يضع طهران في موقف حرج للغاية، خاصة مع انكشاف الظهر السوري الذي طالما استُخدم كمسرح لصواريخها ونفوذها في المنطقة.

الملف النووي الإيراني والاسرائيلي : هل انتهى زمن الضباب؟

الضربات الإسرائيلية التي استهدفت منشآت نووية إيرانية، قد تكون البداية الفعلية لانكشاف ما يجري داخل مفاعل “فوردو” و”نطنز”. لكن في ظل الواقع ، قد تستغل طهران هذه الفوضى لتكثيف عمليات التخصيب سرًا، تحت غطاء الصواريخ والضجيج الإقليمي.

وهنا، يتضح أن المستقبل النووي لإيران مرتبط الآن بنتيجة المعركة العسكرية:
• إن انكسرت إيران ميدانيًا، سيتراجع ملفها النووي.
• وإن صمدت، أو خرجت بمكاسب معنوية، فالعالم أمام جمهورية نووية بالفعل، لا بالقانون فقط.

اما النووي الإسرائيلي… السلاح المسكوت عنه

فوسط كل هذا التصعيد، يبقى هناك ملف “مسكوت عنه” بترتيب دولي ممنهج: البرنامج النووي الإسرائيلي. فبينما تُفتح كل الملفات، وتُوضع إيران تحت المجهر لسنوات بسبب برنامجها النووي، تُغضّ القوى الغربية – وعلى رأسها الولايات المتحدة – الطرف تمامًا عن الترسانة النووية الإسرائيلية، التي باتت أمرًا واقعًا منذ عقود دون خضوع لأي رقابة أو معاهدة.

هذا الصمت الغربي المريب لم يكن فقط غطاء سياسيًا، بل كان جزءًا من الصفقة الكبرى التي أرادتها إسرائيل: أن تكون الرادع الوحيد في المنطقة، صاحبة اليد النووية الخفية، فوق الجميع. لكن الحرب الأخيرة، والضربات المتكررة التي طالت العمق الإسرائيلي، كشفت هشاشة الردع التقليدي الإسرائيلي، وفشل المنظومة الدفاعية رغم تفوقها التقني، وجعلت إسرائيل، ونتينياهو  ولأول مرة، يبدو كمهاجم يلوّح بانه فقد السيطرة على المعركة التقليدية.

أما إيران، فهي اليوم لا تخفي طموحها في أن تتحول إلى قوة نووية فعلية، أو على الأقل أن تمتلك القدرة الكافية لجعل أي تفكير في ضربها مغامرة خاسرة. وبذلك، تصبح المنطقة أمام مشهد غير مسبوق: قوتان نوويتان (واحدة تمارس الاستهبال في  الغموض النووي وهي اسرائيل وواحدة محتملة بقوة الان وهي ايران) تتصارعان على أرض مفتوحة، في غياب توازن إقليمي حقيقي.
وفي ظل حسبة أمريكية لتفوق اسرائيل فقط في المنطقة وهي حسبة كررت فشل فلسفتها الاستراتيجية في المنطقة وأوحلت أمريكا مرارا في التسلط على دول المنطقة ونهب أموالها وثرواتها مع ترسيخ كره الشعوب في المنطقة لأمريكا لهذه الاسباب، وهي مستمرة تتسلط مرات باللين والكلام الابتزازي السخيف والرزالة خاصة في عهد ترامب، ومرات بحروب تفتعلها في العراق ومن قبلها افغانستان والان ايران وفي كل مرة تخطأ أمريكا في مواقفها ولا تبالي بذلك من اجل ان تسيطر على المنطقة ، ابد الدهر!!!!!

وفي ظل هذا الانكشاف، تصبح مصر هي العقدة المركزية في المعادلة. الدولة العاقلة، الصامتة، ولكن صاحبة التاريخ والجغرافيا والجوار والجيش والقرار السيادي المستقل.
مصر لا تحتاج إلى ضجيج إعلامي أو عروض صاروخية لتثبت قوتها. يكفي أن تراقب، فتعرف، ثم تتحرك متى شاءت.

والحقيقة التي قريبا سيهمس بها الجميع، أن من يريد أن يغيّر قواعد اللعبة فعليه أن يتحدث مع مصر شاء ام أبى.
فلا أحد يجرؤ على الاقتراب من حدود مصر، ولا من أمنها، ولا من عمقها الإستراتيجي الممتد من غزة إلى المتوسط، ومن ليبيا إلى باب المندب.
ومن يطمح لفتح حوار حقيقي مع الشرق الأوسط الجديد، فالمفتاح الحقيقي ليس في طهران ولا تل أبيب… بل في القاهرة.

إذن ما هي السيناريوهات القادمة:

ببساطة في نظري السيناريوهات والتقدير والتفسير لكل سيناريو هي كالتالي:

١- فشل اي مفاوضات سياسية بالمعطيات الحالية، برعاية الغرب وأمريكا واي جلسات لمجلس الامن او النظام الدولي الذي يكيل بمكاييل متعددة، واستمرار حرب استنزاف صاروخية طويلة ، وهو احتمال مرتفع جدًا وفق النمط الحالي والذي يشير إلى استمرار هذه الضربات أسبوعًا بعد أسبوع ، حتى ينكسر احد الطرفين تماما وكل طرف سيأمل في الانتصار.
٢- حرب إقليمية شاملة ربما بانخراط أمريكا وهو تقدير متوسط الحدوث، إن قامت إيران بتوسيع الرد على قواعد أميركية أو خليجية او إذا انضمت أمريكا علنا لاسرائيل.
٣-انفراج مفاجئ عبر وساطة روسية أو صينية وهو احتمال ضعيف لكن لا يمكن استبعاده، خاصة إذا اشتد الضغط على الأسواق والطاقة.
٤- مبادرة عربية بقيادة مصر وهو امر محتمل إذا شعرت القاهرة أن الأمن القومي العربي مهدد مباشرة، و ان رأت من كل الأطراف رغبة حقيقية واعتراف بالدور  والمبادرات التي ستطرحها الدولة الإقليمية الكبرى "بمعنى دولة" وهي مصر وبالتحديد حين تأتي بطلب عاقل من الدول العربية وأمريكا و الغرب بل وايران واسرائيل.

 كلمة أخيرة: بين عبث القيادة الإسرائيلية والطموح الإيراني وعدالة الغياب الإقليمي:

ما يجري اليوم ليس مجرد فصل في صراع إقليمي، بل هو لحظة فارقة يُعاد فيها ترسيم موازين القوة، وإعادة تعريف من يملك حق القيادة في الشرق الأوسط. لكن ما تكشفه الأيام أن هناك خللًا عميقًا في العدالة الدولية، تُغضّ فيه القوى الكبرى الطرف عن مشاريع الفوضى التي تُغذيها إسرائيل، وتُشدّد فيه الرقابة والرزالة والهيمنة على بقية الدول في الإقليم.
وهذا ما تعارضه مصر ولا تقبل به على مدار مواقفها السياسية التاريخية الثابتة الداعية إلى السلام في منطقة الشرق الاوسط ونزع كافة أسلحة الدمار الشامل بما فيها السلاح النوي الإسرائيلي والإيراني. ودعوتها ان تكف إسرائيل عن سياسة الاعتداء والعبث بالمنطقة وقتل المدنيين واحتلال الدولة الفلسطينية وابادة شعب غزة ، لا مبالية بالقرارات الدولية الواضحة في هذا الشأن . 
في هذا السياق، تبدو إسرائيل ككيان لا يعيش إلا على تصدير التوتر، ولا تثبت وجودها إلا بتحطيم كل مسار استقرار أو مشروع سيادة للدول في الإقليم . وايران لا تبالي بشيء سوى طموحها الإقليمي النووي لتحفر لها مكانة كبرى في الشرق الاوسط ، وسيطرة مستقبلية  بلا ادنى شك على دول الجوار .
‏والطموحين الإسرائيلي والإيراني مبنيين في الأساس على نبؤتين عقيدتين معروفتين،  ويعتقد كل طرف منهما أنه الأحق بالسيادة الإقليمية بل والإنسانية والعالمية.  
بينما تقف مصر بثبات واتزان، لا تطمح لتفوق على حساب الآخرين، بل تسعى لترسيخ الاستقرار من موقع الدولة ذات التاريخ، والموقع، والمقدرة، والرؤية.

القيادة الحقيقية في ظل هذا الواقع الدولي الذي يكيل بمكاييل متعددة، لا تُقاس بالصواريخ، ولا بالمناورات الإعلامية، بل بمن يستطيع أن يكون شريكًا عاقلاً في توازن مضطرب. وهنا، لا تُقارَن مصر بإسرائيل، ولا ايران، ولا باي دولة في الإقليم أصلا، لأن مصر تملك الواقع والتاريخ، بينما إسرائيل تملك فقط إرادة التحطيم وفرض الهيمنة. وايران تملك تاريخاً من زعزعة استقرار دول الجوار  عن طريق أزرعها في سوريا والعراق ولبنان واليمن كما تملك طموحا ايديولوجيا يمتد لدور الجوار!

هذه الرسالة ليست لتفيق كل الدول العربية التي تعتقد انها في مأمن من هذه الأحداث الإقليمية السيئة، بموائماتها المنفردة كما دول عصر ملوك الطوائف بالأندلس ! او بأموالها التي تدفعها عن طيب خاطر لرجل الأعمال الأمريكي، ثم تعاير مصر باقتصادها! هذه الرسالة ليست لهم فقط، بل إلى الغرب والولايات المتحدة:
من يبحث عن شريك إقليمي حقيقي، يؤمن بالاستقرار لا الفوضى، شريك صلب ولكنه يحترم القواعد الدولية العادلة، (لا المنحازة) فليتحدث إلى مصر.
ومن يظن أن تحالفاته الإيديولوجية أو الاستراتيجية يمكن أن تتجاوز ثقل القاهرة، فعليه أن يُعيد قراءة الجغرافيا قبل التاريخ.

تم نسخ الرابط