في ظل اشتداد وتيرة الصراع العسكري بين إيران وإسرائيل، تتجه الأنظار إلى الدول العربية التي تجد نفسها، مرة أخرى، في قلب صراع إقليمي لا تُشارك فيه مباشرة، لكنها تتأثر به بشكل بالغ ، من هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى ما يمكن تسميته بـ”إدارة أزمة عربية”، ليس فقط كخيار سياسي، بل كضرورة استراتيجية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.
فلا يمكن النظر إلى هذا الصراع كحدث منعزل عن المحيط العربي ، فالدول العربية بحكم الجغرافيا والعلاقات السياسية والاقتصادية، تتأثر بتداعيات هذا النزاع في أكثر من جانب على هذا النحو :
• الأمن الإقليمي : فهناك احتمال لامتداد المواجهات إلى دول مثل لبنان، سوريا، العراق واليمن، حيث توجد جماعات حليفة لطهران. كما أن الضربات المتبادلة قد تخلق فراغات أمنية جديدة أو تُشعل بؤر توتر خامدة .
• الاقتصاد العربي : فأي تصعيد عسكري كبير في المنطقة سيؤثر مباشرة على أسعار النفط، وسلاسل الإمداد، والتجارة البحرية، خصوصًا عبر الخليج العربي والبحر الأحمر ، فالدول التي تعتمد على الاستيراد أو المساعدات ستكون الأكثر عرضة للخطر .
• الواقع الإنساني : غزة ، لبنان ، وسوريا تمثل نقاط ضغط إنساني هائل ، فاستمرار الحرب سيؤدي إلى موجات نزوح جديدة، ومعاناة أكبر للمجتمعات العربية الهشة.
إن تباين المواقف الرسمية للدول العربية من طرفي النزاع (إيران وإسرائيل) يُضعف القدرة على تشكيل جبهة موحدة ، ويجعل المنطقة أكثر عرضة للتدخلات الخارجية أو الانقسام الداخلي ، من هنا فإن إنشاء آلية لإدارة الأزمة عربيًا بات ضرورة وليست ترفًا دبلوماسيًا.
ليكون السؤال ماهي مكونات “إدارة الأزمة” المطلوبة ؟
من وجهة نظري يمكن حصر المكونات في الأتي :
1. آلية تنسيق سياسي عاجلة :
فيجب تفعيل دور جامعة الدول العربية من خلال عقد قمة طارئة أو لجنة أزمة دائمة، تتابع المستجدات وتصدر مواقف موحدة تمثل الحد الأدنى من التوافق العربي.
2. خطة اقتصادية وقائية :
من خلال التنسيق بين وزارات الاقتصاد والمالية في الدول العربية لمواجهة احتمالات التقلبات النفطية أو تضرر الإمدادات، وتوفير دعم للدول الأكثر تأثرًا.
3. توازن دبلوماسي محسوب :
من خلال الحفاظ على سياسة “الحياد الإيجابي”، التي ترفض الزج بالدول العربية في صراع الآخرين، وتدعو إلى خفض التصعيد والاحتكام إلى القانون الدولي.
4. إعلام عربي متماسك :
فغياب الرواية العربية الموحّدة يزيد من تشوش الرأي العام ، فالمطلوب خطاب إعلامي عقلاني، يبتعد عن التجييش، ويركز على المصالح الوطنية والقومية.
إن الحرب بين إيران وإسرائيل ليست مجرد خلاف بين دولتين، بل تهدد بنية الأمن الإقليمي برمتها ، وإذا لم تسارع الدول العربية إلى التحرك الجماعي، فإنها ستكون، مرة أخرى، ضحية لأزمات لم تصنعها، لكنها ستدفع ثمنها اقتصاديًا وأمنيًا وسياسيًا .
الوقت ليس في صالحنا، وإدارة الأزمة ليست خيارًا، بل فرض واقع يجب التعامل معه بأعلى درجات الوعي والمسؤولية .
في النهاية أشعر بعد الإنتهاء من طرح وجهة نظري ، بأني كنت في صراع بين الخيال الفكري وبين الأمانة الوطنية ، فكيف أطلب من الدول العربية التحرك على قلب رجل واحد ، وهم لم يتفقوا على قمة عربية واحدة .
لكن الأمانة الوطنية هي التي دفعتني إلى طرح ما أشرت اليه ، من واقع شعوري بالخطر الذي يهدد المنطقة ، والذي لن تسلم منه أي دولة عربية .