منذ أيام مرت علينا ذكرى رحيل الشيخ الشعراوي رحمه الله في (17) من يونيو عام (1998) ذلك الرجل الذي علم مصر، وكان سببًا مباشرًا في تزكية الإيمان والعلم والمعرفة في وجدان المصريين بكل طبقاتهم وشرائحهم، الكبير والصغير، والرجل والمرأة، والمتعلم والعامي.
أوتي الرجل توفيقًا إلهيًا وقدرة ربانية وموهبة فذة على إيصال المعلومة للأذهان، مهما كانت دقتها أو عمقها، وكان له حِس فكاهي، وإلقاء حماسي، وذاكرة فولاذية، وصوت واثق، وعين كأنها تقرأ من إلهام إلهي.
ترك الشعراوي بصمة في نفس وعقل الجماهير، حتى أصبح مَعلمًا من معالم مصر، وانطبع خالدًا في ذاكرتها، وكان على المستوى الشخصي عالمًا محترمًا متزنًا راقيًا مترفعًا عن كل ما يخدش مكانة العالِم وسمو الداعية، فكم حاول أولئك الذين هاجموه وأرادوا النيل
منه حسدًا، أن يقللوا من مكانته وينزلوه عن عرش القلوب التي تربع عليها، لكنه
كان ذكيًا يعرف قيمة نفسه، ورفعة موقعه، فكان يقابل كل المتهجمين بالإعراض والإهمال، ليموت ذكرهم وتبلى شبهاتهم، ولم يسمح لأحد أبدًا أن
ينال مكسبًا على حسابه بالرد والجدال.
لم يكن الشعراوي كبعض المفسرين، يعمد إلى شرح المعاني وإظهار غوامض الكلمات، وإنما كان يتذوق آيات القرآن ويتعايش معها، ويفند كل حرف ليخرج منه بقيمةٍ وفائدة لا يصل إليها إلا الفاقهون المتبصرون.
تُبهرك اليوم بعض كلماته وإشاراته التي قالها منذ زمن بعيد، فتراها وكأنها قيلت للساعة وعبرت وأفصحت بما يشبه الكرامات عن بعض المشاهد التي ترمينا بها الحياة، لتدرك أن هذا الرجل الذي ارتبط وجدانه بالقرآن الكريم، نطق بالحقائق المتخفية في رحم المستقبل.
مما أدهشنا في الشيخ الشعراوي ذاكرته المتيقظة على الدوام، وحافظته القوية لكل ما وعى من العلم، فرغم الشيخوخة وكبر السن والمرض، ظل عقله متقدًا وذهنه قويًا، لا ينسى شيئًا مما قرأ وحفظ، وتلك أيضًا من بركات القرآن الذي وهب الشعراوي له حياته، فمما قيل سلفًا: " إن أبقى الناس عقولًا قراء القرآن" وقال
القرطبي: "من قرأ القرآن الكريم متع بعقله وإن بلغ مئة!" وقال بعضهم: "ما رأيت شيئا يغذّي العقل والروح ويحفظ الجسم، ويضمن السعادة، أكثر من إدامة النظر، في كتاب الله تعالى!". وهو ما أثبتته الدراسات العلمية الحديثة من أن حفظ القرآن الكريم وقراءته فيه تقوية للذاكرة!، وقد رأينا ذلك بدقة في الشيخ الشعراوي، فرغم علله البالغة، وتعبه البادي عليه، إلا أنه كان حريصًا على تبليغ العلم، فلا يتأخر عن درس، ولا يتوانى أن يبلغ رسالة القرآن حتى آخر رمق من حياته، وحينما كنا نشاهد دروسه الأخيرة، كنا نلمس جهده البالغ وتعبه الظاهر، وكان الأولى به أن يستريح ويعتزل، إلا أنه في هذا كان خير خلف لخير سلف، فقد ذُكر عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه في مرضه الذي مات فيه كانت الناس تأتيه مستفتية فيُفتيها، فلما قيل له: ألا تستريح؟ قال: لو لم يكن لي من الحياة إلا لحظة لأحببت أن أنفع بها الناس.!
كان الشيخ الشعراوي من العلماء الأتقياء الأنقياء الزاهدين المترفعين عن الدنيا وزينتها وبهارجها، فقد تولى المناصب والمواقع السيادية وأتته الدنيا زاحفة، إلا أنه أعرض عنها ولم يتكيف مع مسارها، فحينما تولى وزارة الأوقاف، سرعان ما استقال وأعلنها بقوله: "إن المناصب لا تغريني، وما يغنيني هو رضاء الله عني" وأوصى رحمه الله أن يدفن في قريته، ولا يكتب على قبره ما عُرف من ألقاب السيادة والتصدر كلقب الإمام أو الشيخ، وإنما يكتب: " هذا عبد قرأ القرآن وعلمه ورجا من الله القبول" حقق الشيخ الشعراوي معنى القدوة الحسنة في كل حالات حياته شيخًا ومسؤولا ومعلمًا وداعية وإنسانًا، وبقيت ذكراه عاطرة وحبه في القلوب قائمًا.