دعونا ودعوا كل إنسان يعبر عما يراه، فكل إنسان حر في اعتقاده، حر في تصوره ورؤاه، لا تحاسبوا أحدا على رأيه ونظرته.
لا تعتقد أن مجرد رأي صغير سيغير الكون، أو أننا جميعا لو كانت آراؤنا على قلب رجل واحد، فإننا سنغير الدنيا، أبدا والله.. فالرأي وحده لن يقدم أو يؤخر ما لم يصاحبه عمل واجتهاد.
مع كل حادثة وكل فتنة نسقط في الاختبار، ونثبت أننا ننتحل ثقافة فاشلة أنانية متدنية، نريد أن نسحق كل من يخالفنا في الرأي ونمحو وجوده من الأرض.
أما المتدينون أو من يزعمون أنهم حماة الفكرة الدينية وفرسانها، فإن قطاعات كبيرة منهم أول من يسقط في الاختبار، ويسارع كل فيلسوف منهم على صفحته، ليرثي الفهم والوعي والعمق الذي ضاع، ويوزع رداءات الغباوة على كل من يخالفه الرأي والنظر، ويلطم حسرة على من تبصر الرشد فيهم يومًا فإذا هم أئمة الأغبياء.
يتخيل المسكين أن رأيك لو خالف رأيه، فإن الأمة إلى ضياع ونكال، ويقاومك كما لو كنت عربيدا مخربا تبث في الأمة الفساد.
عقله يوهمه أنه قد اوتي اليقين والهدى من الله، وأنه كنبي غريب بين قومه يدعوهم للنور يريد إنقاذهم من الضلال.
الواقع أمامه يصرخ بالحقيقة، ويدله بالبرهان، لكنه يركل كل ذلك بقدم عاطفته التي لا تؤمن إلا بهواه الخائب.
ارحمونا ودعونا نعبر عن آرائنا بحرية، فأقوالنا جميعا لن تغير شيئا، او تقيم عوجا، دعونا ننفس عن أنفسنا بما يريحنا، لا تعترضونا ولا تستفزوننا حتى نستفزكم.
يقولون لك: ليس وقته ليس وقته، وماذا لو كان وقته أيها الحصيف؟ هل سيكون رأيك رمانة الميزان؟!
كل إنسان معجب برأيه وعقله، وربما يكون لكل إنسان دليله.. وهنا نحترم الدليل ونحترم الرأي، وهو الهدي الذي لو فقهه سلف هذه الأمة قديما لما سمعنا عن تناحر المذاهب التي وصلت في بعض الأحيان إلى استباحة قتل المخالفين.
وأنت أيها المتدين الفيلسوف الذي تظن نفسك وريث النبوة ومعين الحكمة، كما ترثي غباء غيرك، فهناك من يرثي غباءك.. إذا كنت تترحم على عقول ضاعت، فهناك من يكبر أربعا على عقلك.
تعلموا احترام الرأي وناقشوا بأدب وهدوء، وإذا رأيتم تهجما فلا تلوموا إلا أنفسكم، لأنكم من أبديتهم التسفيه ابتداء.
يا شؤم الأمة من صبية يستدلون بالنصوص في غير موضعها، ويسخرون الأحداث في غير موقعها، يقيمون العدو مكان الصديق والصديق مكان العدو، وأعجبتهم عقولهم، وزين لهم الهوى علوهم، لكن الأيام سرعان ما سترد عليهم، ليبحثوا وقتها عن جحور يختبئون فيها لتواري خجلهم.