ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

جاء شهر يونيو وبدأت ثمار فاكهة الصيف ناضجة فوق الأشجار تتأهب لتلك الأيادى التى تقطفها. 

وفى مثل هذا الوقت من كل عام تتهيئ فتيات القرية الصغيرة لأن تقومن بتلك المهمة.
فتيات فى أعمار صغيرة لم تتخط أدوار الطفولة لم يتجاوزن السادسة عشر عامًا.
كلهن فى مراحل تعليم مختلفة تجمعهن مدرسة القرية تلك المدرسة الفقيرة فى كل شىء.
فكل أرجاء تلك القرية ترتسم بملامح الشقاء والعيش الصعب.
يتأهبن الفتيات للخروج مبكرًا صباح يوم الحادى عشر من يونيو من عام ٢٠١٨.
التقين معًا عند حافة جدول مياه صغير فى انتظار سيارة  تقلهن إلى إحدى مزارع الفاكهة لكى يقمن بقطف ثمرات الفاكهة من فوق أشجارها وهن لا يعلمن أن هناك من سيكون سببًا فى قطف أعمارهن الصغيرة دون حتى أن تنضج مثل ثمرات الفاكهة.

أنتم تعلمون فتيات الريف عندما يتجمعن فى الصباح الباكر ثم يستقلن سيارة أجرة.
تعلمون كيف تنطلق الضحكات منهن بمجرد أن تنطلق السيارة وكيف تنبعث من افواهن البريئة تلك الأغنيات الريفية المتوارثة منذ زمن أمهاتهن فى السابق.
تلك هى سمات الأنفس الفقيرة عندما تتشبث بالحياة وهم على هامشها.
تلك هى سمات الأنفس الراضية عندما تتمسك بالضحكات وهم على قيد البؤس.
انطلق السائق بسيارته ال " ربع نقل" بالفتيات الثماني عشر .
السيارة تشق الطريق نحو مزرعة الفاكهة والضحكات والأغنيات تتصاعدن من صندوق السيارة تداعب الشمس الساطعة وهواء الصيف يأبى إلا أن يمتزج أثيره بأصوات فتيات لا بد أنهن على موعد مع عصافير الجنة يغردن معًا، يشجيان معًا. إنها الثلاثية العظيمة..الشمس والهواء والغناء .
تلك الثلاثية التى ستنصهر بأجواء الخلود فى هذا اليوم.

عند منتصف الطريق تعطلت السيارة فما كان من قائدها إلا أن هاتف زميل له وطلب منه أن يأتي بسيارته إلى المكان الذى توقفت عنده السيارة لاستكمال المسيرة إلى مزرعة الفاكهة.
بعد ما يقرب من نصف ساعة حضر السائق بسيارته ال" ميكروباص" وبدأت الفتيات يستقلن تلك السيارة بدلًا من السيارة التى تعطلت بهن وكأن من بينهن شقيقة السائق.
ولم تمر عدة دقائق حتى بدا على السائق أنه غير متزن ، يقود السيارة بسرعة جنونية على طريق صغير  غير ممهد ومعد لإتجاهين مثل كل الطرق هنا.

بدأت الفتيات يرجون السائق أن يكف عن هذا فما كان منه إلا أنه بدأ يترنح بالسيارة يمينًا ويسارًا وكأنه تتراقص بها فانطلقت الصرخات من الفتيات لا سيما وقد كان على وشك أن ينقلب إلى الترعة الموازية للطريق مما أحدث الرعب فى قلب الفتيات وشعرن بأن أجلهن قد اقترب على يد هذا السائق الموتور.
أخذن فى الصراخ ومن بينهن شقيقته طالبين منه أن يتوقف بعد أن نجين من السقوط بمعجزة وحدثت اصابات بهن من أثر الارتطام ببعضهن لكن السائق يأبى أن يتوقف أو حتى يهدئ من سرعة السيارة وبدأ أنه يغامر مغامرته الأخيرة بالإنحراف بالسيارة يمينًا ويسارًا ربما كان يهدف لأن يلفت نظر إحداهن التى كان يريد أن يخطبها وربما كان متعاطيًا جرعة مخدر افقدته الصواب. ربما كان هذا أو ذاك لكن الشىء المؤكد أن الشيطان كان قد تزين له فى هذا اليوم وأعد له عدته فقبلها ثم صار أحمقًا لا تردعه صرخات من استبد بهن الخوف ولا توسلات من تمكن منهن الضعف ولا نداءات من ضمير موجوع على فتيات كن آخر ما وُهبت لهن الحياة وأول من يغادرنها.

بعد عدة دقائق من هذا سقطت السيارة فى ترعة " الحاجر" بالفتيات الثماني عشر.
صارعن الموت فمنهن من استطاع التشبث بالحياة  وكن عشر فتيات وأما الثماني الأخريات فقد لقين حتفهن غرقًا بعدما ذقن مرارة الموت عشرات المرات ليستقر بهن الحال هنا غرقى بين ضفاف سيارة الموت الذى نجا صاحبها من الموت..!
احتضن الموت تلك الأجساد الرقيقة التى لم تذقن طعم الحياة.
لقد ولدن فى شقاء ورحلن عن هذا العالم بمأساة.
لماذا تُكتب سطور مأساوية كتلك السطور...لماذا يكون الموت أحيانًا بتلك القسوة ولماذا يكون الشقاء قدرًا على بعض بنى البشر..!

عند مطالعة الأوراق تبين أن الفتيات التى قضين تتراوح اعمارهن بين الثلاثة عشر والسادسة عشر وأن من بين أسمائهن تلك الأسماء:
فرحة..زهرة..نورهان..رحمة..!
أى نصيب هذا الذى أخذنهن من أسمائهن إلا أن تكون هى رحمة الله ولا غيرها..!
من التحقيقات ثبت أن السائق كان متعاطيًا لمخدر الحشيش وأنه قد طلب من الفتيات أكثر من مرة أن يتلون الشهادة وأن شقيقته وخطيبته كن من بين الفتيات وقد توفيت شقيقته.

لقد كانت الفتيات تتأهبن لقطف ثمار الفاكهة فكان أن تسبب هذا الموتور بقطف أرواحهن.
عند المحاكمة لم تر المحكمة أن تأخذ المتهم بأى قسطٍ من الرأفة و قضت بمعاقبته بالسجن المشدد لمدة ثلاث سنوات وتغريمه عشرة آلاف جنيه عن تهمة تعاطى المخدر وحبسه مع الشغل لمدة سبع سنوات عن تهمة القتل والإصابة الخطأ.
لقد ماتت فرحة قبل أن تعلم شىء عن الفرح وماتت زهرة قبل أن تتفتح أوراقها إلى الشمس وماتت نورهان تحت ظلمة مياه ضحلة وماتت رحمة لكن رحمة الله بقيت تظلهن جميعًا...!

تم نسخ الرابط