لم أقرأ للأستاذ العقاد -حتى الآن- غير عشرة كتب -على وجه التقريب-، وربما كانت أكثر بقليل، وكلها نافعة في أبوابها، فالأستاذ كان بعيد النظر عميق الفكر غزير الإنتاج، أنفق عمره كله في تحصيل الأدب والثقافة والمعرفة، حتى بلغ إنتاجُه (مائةَ كتاب) و(خمس عشرة ألف مقالة)، ومع ذلك الإنتاج الفخم والموروث الأدبيّ والدينيّ العاليّ لم يرض العقاد عن نفسه، ولم ير أنه حقق ما كانت تصبو إليه نفسُه، ولم يصل إلى الغاية التي رسمها لنفسه (كاتبا) في صباه، حتى قال في يومياته التي سماها «أنا» (إنه إذا قدّر ما صبا إليه بمائة في المائة، فإن الذي حققه لنفسه وللأدب لا يتجاوز العشرين أو الثلاثين).
أذكر أني قرأت قديما أن الإمام الأكبر الشيخ/ محمود شلتوت، رحمه الله زاره في مرض، وانحنى يقبل يدَه، فأراد الأستاذ العقاد أن ينزع يدَه، فقال الشيخ شلتوت "أنا أقبّل اليدَ التي كتبت ودافعت عن الإسلام ضد خصومه".
وفي نظري -المتواضع- أن أفضل كتاب قرأته للعقاد هو (التفكير فريضة إسلامية)، وهو كتاب جدير بالقراءة مرات ومرات، وقد زكّاه جمعٌ كثير من علمائنا ونصحوا بالرجوع إليه، حتى إنني قرأت هذه التزكية في ثلاثة من كتب الدكتور محمود حمدي زقزوق، رحمه الله، وكان تكرار هذه النصيحة سببا من أسباب رجوعي للكتاب وقراءته مرة أخرى.
وأذكر أيضا أنني لما زرتُ العميد أ.د علاء جانب حفظه الله، في المستشفى قبل عام، وجدت إلى جواره مجموعة كتب، كان من بينها هذا الكتاب، فحملني الفضول على فتحه، فرأيت سعادة العميد قد لخّصه ولم يترك صفحة من صفحاته إلا وأضاء أفكارها بقلمه الأحمر، وحين أخبرته أني قرأت الكتاب ضحك وقال: أنت قرأتَه، أما أنا فقد لخّصتُه.
رحم الله عباس محمود العقاد، ورضي عنه، وجزاه عن دين الله ولغة كتابه خير ما يجزي المحسنين!