ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

تشهد الدنيا ألوانا من الناس واختلافا كبيرا في توجهاتهم،
منهم السمح اللين الهين، ومنهم من يرى نفسه ويعتقد أنها درة تتلألأ في جبين الدنيا، ومنهم من يشهد جلال الله وعظمته في خلقه، ويرجوه أن يمتد عطاؤه ليناله كما نال منه الآخرون، ويكون لسان حاله ومقاله ( ربي وربكم الله )
ومنهم من يؤله نفسه ويدعو الناس إلى تقديسه، ومن الأخير : فرعون موسى، ذاك الذي استطال على بني إسرائيل فاستحيا نساءهم وقتل أبناءهم، وبالغ في إذلالهم ومصادرة كرامتهم قبل كرائم أموالهم،  وكان ينادي بأعلى صوته الذي طالما دوى بينهم :
{وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِۦ قَالَ يَٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ ٱلْأَنْهَٰرُ تَجْرِى مِن تَحْتِىٓ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١)}
إن هذا المتطاول لما قال في غرور الجاهل وجهل المغتر ( وهذه الأنهار تجري من تحتي ) أجراها ذو القوة المتين من فوقه قال تعالى في سورة يونس:
{۞ وَجَٰوَزْنَا بِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُۥ بَغْيًا وَعَدْوًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِىٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓا۟ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ (٩٠)}

وقد يهلك الخصم دون أن تراه عين المظلوم، فيستريح من شره وضره، لكن حينما يجمع الرؤوف الرحيم للمظلوم بين هلاك الظالم ورؤية هلاكه، فتلك منحة للمظلوم الذي طالما استقوى الظالم عليه وأهانه 
قال تعالى في سورة البقرة:
{وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَٰكُمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ (٥٠)}
يا لجمال هذا التعبير الرائق: فرقنا بكم، فأنجيناكم، وأغرقنا آل فرعون، ويختم هذه الصورة البديعة برؤيتهم هذه المنن الجامعة.
فمن بفعل واحد يجعله نجاة للمستضعفين وهلاكا للظالمين ويري ضعفاء الأمس فرعون ذليلا مهانا؟
ومن جميل ما جاء في هلاك فرعون، أن الله نجاه ببدنه فقط، ليكون لمن خلفه آية 
قال تعالى في سورة يونس:
{فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً ۚ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ ءَايَٰتِنَا لَغَٰفِلُونَ (٩٢)}
فلو أن البحر أكل جثة فرعون لخرج علينا بعض الجهلة قائلا: إن فرعون لم يمت وسيعود، فلما رأوه وقد قذف البحر جثته جيفة، لم يستطيعوا القول بهذا.
ومن خصائص البحار أنها لا تحتفظ بالجيف، بل تلقيها إلى الشاطىء، لتنتهي إلى الأبد أسطورة الملك الذي لم يستطع أن يحمي عبيده فضلا عن أن يحمي نفسه.
وهلاك الظالمين عيد تبتهج الدنيا له، ويشكر المقهورون ربهم على تلك النعمة

لذا لما قدم النبي محمد صلى الله عليه وسلم المدينة وجدهم
يصومون يوم عاشوراء، فسألهم  عن سبب صيامه قالوا: ذاك يوم نجى الله فيه موسى وأغرق فرعون. 
وهنا تظهر آصرة الأخوة النبوية عند خاتم الأنبياء والمرسلين فيقول نحن أحق بموسى منكم.
وما أجمل الطاعة بعد الانتصار لا قبله فقط، إذ إنها تظهر اعتراف العبد لخالقه بالشكر العملي على نعمه، فالشكر عمل لا قول قال تعالى في سورة سبأ:
{ ٱعْمَلُوٓا۟ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ (١٣)}
ونحن نمتثل قول نبينا الكريم لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر 
نصوم شكرا لله الذي أزاح ظلم فرعون وأزاحه عن المستضعفين 
فاللهم أقر أعين المظلومين بهلاك ظالميهم.
وتظل عاشوراء بنسماتها تذكرنا بخيلاء فرعون، ولتكون مقبرة لهذا المختال بقوته الكاذبة التي تلاشت مع تلاطم الأمواج 
فهل يتعظ المختالون بأئمتهم ؟

تم نسخ الرابط