في تمام السابعة صباحًا، ينهض المواطن على عجل، يرتدي ملابسه ويهرول إلى مبنى مكرم عبيد، متجهًا نحو الطابق الرابع، يمر عبر الطرقات الضيقة والزحام المعتاد، ليصل في النهاية إلى ساحة الانتظار حيث يتجمع العشرات، شبابًا وفتيات، يتسابقون لتسجيل أسمائهم على ورقة حضور أشبه بما يُستخدم في طابور المدرسة.
ورغم الحضور المبكر، لا يبدأ العمل فعليًا إلا بعد التاسعة صباحًا، حين يتوافد الموظفون وسط ضوضاء وزحام كفيل بإفساد يومهم منذ بدايته، بل وربما تآكل أعصابهم تدريجيًا مع مرور الوقت. هؤلاء الموظفون، الذين يقفون يوميًا على الحافة بين الروتين والانفجار، ليسوا سوى ضحايا لنظام متجمد، لا يرحمهم ولا يرحم المواطنين المتعاملين معهم.
اللافت – والمثير للدهشة – أنه لا تزال هناك فترة تسجيل يدوي، وإذا تأخرت لحظة، فأنت خارج اليوم، والرد الوحيد المتاح: “فوت علينا بكرة يا سيد”. وفي النهاية، وبعد استكمال التقديم، لا يحصل المواطن سوى على إيصال بسيط، عليه أن يعود به بعد 15 يومًا، ليبدأ رحلة الانتظار التالية من أجل الإيصال الأبيض الخاص بتسجيل العلامة التجارية، والتي تستغرق شهورًا أخرى لاستخراج الشهادة النهائية.
هذا المشهد لا ينتمي إلى دولة تخطو سريعًا نحو الرقمنة وتطوير خدماتها، بل إلى عصر آخر لم يعِ بعد مفردات التكنولوجيا ولا معنى الكرامة في تقديم الخدمة العامة.
أليس من الأولى التحول إلى منصة رقمية؟
في عصر ترتفع فيه شعارات “التحول الرقمي”، لا يُعقل أن يستمر التعامل مع ملفات تسجيل العلامات التجارية بنفس الأدوات القديمة: ورقة وقلم، طابور يدوي، دفتر خزينة، وإيصال انتظار!
أين المنصة الإلكترونية التي تمكّن المواطن من رفع أوراقه إلكترونيًا؟ أين رقم الطلب الذي يتابعه دون عناء؟ أين الرسائل النصية أو البريدية التي تُعلمه بحالة طلبه، بدلًا من إرهاقه بالحضور المتكرر وانتظار المجهول؟
إن تسجيل العلامات والنماذج التجارية ليس فقط مظهرًا حضاريًا، بل خطوة اقتصادية جوهرية تسهّل بيئة الاستثمار وتحمي حقوق الملكية وتمنح الثقة لأي صاحب مشروع.
فإذا كنا نطمح لدولة حديثة واقتصاد ديناميكي، فلا بد من نظام إداري يواكب هذا الطموح، ويحرر المواطنين والموظفين من الطوابير والعشوائية.
أمل في التغيير وتسجيل العلامة التجارية
ربما يبزغ أمل في الأفق مع الإدارة الجديدة التي تقودها الدكتورة فاطمة سمير، المعروفة بنشاطها ورغبتها الحقيقية في التطوير. فالمطلوب الآن ليس فقط تحسين آليات العمل، بل إعادة هيكلة شاملة للمنظومة:
- إطلاق موقع رقمي موحد لتقديم الطلبات.
- تفعيل نظام إلكتروني للمتابعة والاستعلام.
- رقمنة أرشيف العلامات والنماذج.
- تدريب الموظفين على أدوات التكنولوجيا الحديثة.
وفي الختام، العلامة التجارية ليست مجرد ورقة، بل حقٌ معنوي واستثماري يستحق الاحترام. وما يواجهه المواطن اليوم من مشقة في تسجيل علامته، كفيل بأن يُفقده الحماسة من الأساس.
فلنأمل أن تنتقل إدارة العلامات التجارية من الورقة إلى الشاشة، ومن الزحام إلى الضغط على زر، ومن “فوت علينا بكرة” إلى “تم إرسال إشعار إلكتروني بطلبك”.
فهل نرى ذلك قريبًا؟ الإجابة في يد الإدارة، والإرادة