حتى صباح هذا اليوم لم أكن أعلم تصريح الشيخ عبد الله رشدي عن براءة يزيد من قتل الحسين رضي الله عنه، وقد رأيت بعض الفضلاء يستنكرون هذا الصخب حول يزيد والحسين وأيدت حديثهم ونكرانهم، بدعوى أنها قضايا هامشية تشغلنا عن قضايانا المصيرية، لكنني لما وقفت على الأمر وتبين لي أنه تصريح وكلام داعية يفترض له أن يكون مشهورا يعلم الناس، كان لابد لي أن أدلي بدلوي في الأمر، وبيان رأيي في حديثه الذي أعده طبعا كلاما غير منطقي او حقيقي ومحاولة لتزييف حقائق التاريخ وتبرئة رجل قال عنه الإمام ابن كثير: «كان (يزيد ابن معاوية) قد اشتُهر بالمعازف، وشُرب الخمر، والغناء والصيد، واتخاذ الغلمان والقيان، والكلاب والنطاح بين الكباش، والدباب والقرود، وما من يوم إلا يصبح فيه مخموراً، وكان يشد القرد على فرس مسرجة بحبال ويسوق به، ويُلبس القرد قلانس الذهب، وكذلك الغلمان، وكان إذا مات القرد حزن عليه، وقيل إن سبب موته أنه حمل قردة وجعل ينقزها فعضته»
ويزيد وأبيه معاوية تم على أيديهم أعظم جريمة في تاريخ الإسلام التي تمثلت في وأد الشورى وتحويل الخلافة الراشدة إلى ملك عضوض وتوريث ممقوت، وتلك جريمة عظيمة بل تعد أنكى جريمة في تاريخ الإسلام.
كنا قديما نجد من يهربنا ويسير خلفنا بسلاح الترهيب كلما تكلمنا في الحق وأنصفنا الحقيقة ولم نرض أبدا أن نخدع عقولنا ونضحك على أنفسنا، وكنا نجد من يرد علينا بالاحاديث النبوية في محاولة لإخراسنا عن تأييد الحق الظاهر، ومن أبرز هذه الأحاديث (لا تسبوا أصحابي) ولو أخذنا بظاهر الحديث لامتنعنا أن نسب عبد الله بن أبي رأس النفاق والمنافقين لأنه صحابي، وهنا لابد من وقفة حول توضيح لفظ ومعنى الصحابي، فهل هو كل من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
إن الأحاديث الواردة بتقدير الصحابة والحذر من امتهانهم لا تسير على كل من سعد بالصحبة النبوية، وإنما تخص الاتقياء الأنقياء الذين تمسكوا بالصراط المستقيم وأخلاق الإسلام الواضحة الناصعة، وشهد على ذلك تاريخه وحياته ومواقفه وبلاؤه.
أما من كانوا محل الريبة والشك وحامت كما قيل فوق تاريخهم شبهات "فهو موضع الملامة والنقد لأن الناس سواسية أمام الإسلام، ولا فضل لعربي على أعجمي بغير بتقواه، والإسلام لا يقدس غير البررة المخلصين."
ونأتي إلى معاوية الذين يدافعون عنه لأن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولاه وجعله من عماله، وأن النبي جعله من كتاب الوحي، فهل يكون النبي ومعه عمر على خطأ ؟!
وأنا لا أعلم ما الذي يمنع أن يكون زمانها على حال مستقيم ثم تملكته الأثرة والعصبية وأغراه الملك وحاد عن سبيل الإسلام وجعل الأمر بالعصبية والوراثة؟
ما الذي يمنع أن يكون قد تغير حاله وتبدل شأن كثير من الصحابة قد تبدل حالهم وارتدوا عن الإسلام؟!
لقد حكم معاوية بالإسلام والعدل وأقام حدود الله، إلا انه سقط في اختبار الحكم والقيادة فحول الخلافة إلى ملك عضوض وهدم الشورى، فهل إذا ذكرنا هذا نكون قد أجرمنا وافترينا؟
والشيخ عبد الله رشدي يحذرنا قبل الخوض في أمر يزيد أن نتذكر أنه كان قائد جيش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن الرسول قال: " أول جيش من أمتي يغزو مدينة قيصر مغفور لهم" وذلك غير منكور مالم يحد أحدهم عن الحق ويخالف تعاليم الإسلام.
ومعنى هذا أن من تفسير عبد الله رشدي للحديث الشريف أن يفسد في الحكم ويهدم الشورى ويسير سيرة الفساق مغفور له؟ وهكذا كان يزيد الذي يطالبنا عبدالله رشدي بألا نسبه وأنه مغفور له بنص الحديث الشريف.؟!
يقول شيخنا البيومي رحمه الله: "من ذا الذي ينكر أن معاوية حين صير الخلافة ملكا عضوضا في بني أمية لم يكن ذلك من وحي الإسلام إنما كان من وحي الجاهلية.
ومن الذي ينكر أن أمية بصفة عامة لم يعمر الإيمان قلوبها! وما كان الإسلام لها إلا رداء تلبسه وتخلعه حسب المصالح والملابسات!!
ومن الذي ينكر أن يزيد بن معاوية قد فرضه أبوه على المسلمين مدفوعا إلى ذلك بدافع لا يعرفه الإسلام؟
ومن الذي ينكر أن معاوية قد أقصى العنصر الأخلاقي في صراعه مع علي ، وفي سيرته في الحكم بعد ذلك أقصاه كاملا لأول مرة في تاريخ الإسلام، وقد سار في سياسة المال سيرة غير عادلة، فجعله للرشوة واللهو وشراء الضمائر في البيعة ليزيد بجانب مطالب الدولة والفتوح بطبيعة الحال."
أرى أن كلام الشيخ عبدالله يحتاج إلى مزيد من الدراسة والتأمل لأن مقتل الحسين لم يكن أمرا هينا بهذا الشكل، ولا يمكن له أن يتم إلا بأمر من يزيد نفسه، لأن المحنة لم تكن في الحسين وحده حتى نصدق كلام الشيخ عبدالله ولكن المصيبة كانت في مقتل كل أهل البيت الذين خرجوا مع الحسين، قتلهم جيش يزيد الملعون قتل العترة النبوية عن بكرة أبيها ولم يبق منهم إلا النساء والأطفال ومنهم زينب والطفل زين العابدين، فهل هؤلاء أيضا لم يأمر يزيد بقتلهم؟!
إن قرار قتل كل الثوار ومحوهم من الوجود قرار لم يكن ليصدر إلا من رأس الدولة الذي اشتهر بالفجور ويريد الشيخ عبد الله أن يدرجه تحت حديث المغفور لهم من الجيش الغازي لمدينة هرقل.
ثم لماذا يؤكد الشيخ عبدالله على كلام أبي حامد الغزالي الناهي عن لعن يزيد ولم يذكر للناس في حديثه الأخير رسال الامام بن الجوزي التي عنون لها بـ (الرد على المتعصب العنيد المانع من ذم يزيد)؟ كان هذا أيضا إماما من أئمة أهل السنة كما كان أبو حامد الغزالي من أئمة أهل السنة، بل كان ابن الجوزي أعلم بالتاريخ والرواية والدراية من الإمام الغزالي.