ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

يقول الإمام عبد القاهر- رحمه الله تعالى - : 

"ولو كان الناسُ إذا عنَّ لهم القولُ نظروا في مؤداه، وتبيّنوا عاقبتَه، وتذكّروا وصيةَ الحُكماء حين نَهَوا عن الوُرود حتى يُعرفَ الصّدر، وحذّروا أن تجيء أعجازُ الأمور بغير ما أوهمت الصدورُ إذا لكُّفوا البلاء، ولعدم هذا وأشباهه من فاسد الآراء، ولكن يأتي الذي في طباع الإنسان من التَّسرُّع، ثم من حُسْن الظَّن بنفسه، والشغف بأن يكون متبوعًا في رأيه، إلّا أن يخدعه ويُنسيه أنه موصى بذلك، ومدعو إليه، ومُحذّر من سوء المغبَّة إذا هو تركه وقصّر فيه. وهي الآفة لا يسلم منها ومن جنايتها إلا من عصم الله. 

وإليه عز اسمه الرغبة في أن يوفق للتي هي أهدى، ويعصم من كل ما يوتع الدين، ويثلم اليقين، إنه ولي ذلك والقادر عليه".

( الرسالة الشافية ص ١٥٥).

قلت في منشور سابق: إن العاقل من تدبر في عاقبة الأمور ، وجاء الكلام علي" في عاقبة الأمور " ولم يجئ " تدبر عاقبة الأمور " ؛ لأن الفعل"تدبر"متعد ولا حاجة له إلي حرف ، ولكن الأسلوب آثر إدخال " في" علي الكلام تأكيدا للتدبر والتفكر من العاقل لعاقبة الأمور حتي صار الشأن كأن عاقبة الأمور ظرف ووعاء للتدبر والتفكر ، وفيه دلالة -أيضا -إلي أن التدبر الحكيم يستبصر شيئا مهما ، وجزء في العاقبة يسترعي انتباهه لا كل العاقبة ، وهذا يكون مع الفكر الواعي والتدبر اليقظ من العقلاء ، فالنظرة العجلي تمر سريعا علي المنظور كله ، بلا فحص ولا روية...

أعود إلي كلام إمام البلاغة عبد القاهر ، حيث يتحدث في تلك الفقرة من رسالته الشافية عن تعجل بعض أهل العلم في الحديث عن مسألة ما، والقول فيها بلا روية، ولو أنهم إذ عنّ لهم القول نظروا إلي مضمون هذا القول، وتأملوا مقصده وفحواه ، وتبينوا عاقبته ومآله، وتذكروا قبل أن ينطقوا به وصية الحكماء حين نَهوَا عن ورود المراد وروده حتي يعرف كيف يكون الصدر، والعود بعد الورود ، والرجوع بعد الخوض - يا سلام علي كلام العلماء - ، وحَذِرُوا أن تجئ أعجاز الأمور ونتائجها بغير ما أوهمت صدروها وفواتحها وبداياتها، وعند تحقق هذا فيهم، ووجوده في سلوكهم كفوا البلاء (الله الله)،ولما رأيت رأيا فاسدا ، وكلاما فارغا .

ولكن يأتي الذي في طباع الناس متجذرا فيها، من التسرع فيقول شهوة للكلام وإعجابا برأيه، واستحسانا له، والشغف بأن يكون متبوعا فيه، فيقول بلا روية، ولا تدبر في عاقبة أو نتيجة ، ونسي أنه موصي بالتدبر والتفكر والتأمل في عاقبة ما يقول ، ومقصد ما يلفظ ، وقد حذر من سوء المَغَبَّة، وقبح العاقبة إذا هو ترك العمل بوصية الحكماء ونصيحة المخلصين من العلماء.

وآفة التسرع بالقول، وإعجاب المرء برأيه، آفة لا يسلم منها ومن جنايتها إلا من عصم الله. 

إنها نصيحة تكتب بماء المآقي حزنا علي ما آل إليه الحال من شهوات كثيرة، من أخطرها شهوة الكلام، والمخالفة للشهرة، والتَهْرِيفٌ بغير معرفة وعلم... إلي آخر ما ابتلينا به.

وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عبدالله بن عمر قال: : (ثلاثٌ مهلكاتٌ، وثلاثٌ منجياتٌ، وثلاثٌ كفاراتٌ، وثلاثُ درجاتٍ، فأمَّا المهلكات: فشُحٌّ مطاع، وهوًى مُتَّبعٌ، وإعجابُ المرء بنفسِه ، .......،)

نسأل الله تعالى السلامة.

تم نسخ الرابط