تتعدد المحطات والعلامات التى تحمل رسائل ونصائح ترشدنا للسلوك الرشيد.. متاحة من حولنا.. منذ بدأ الإنسان رسالة الإعمار على الأرض.. ولكنها تلفت فقط أنظار الأذكياء.. بينما تتولى جهات عديدة تقديمها للآخرين مثل الأسرة والمدرسة ورجل الدين ولذلك دعا الحكماء الناس للبحث عن البارزين الناجحين واتخاذهم قدوة يسيرون على طريقهم ليحققوا أحلامهم وما يهدفون.
وعندما يدخل المرء مرحلة العمر الثالث.. تبدأ ذاكرته النشطة فى التنبيه لإخراج ما تلقى من رسائل وعلامات ساعدته أثناء رحلة الشباب وكانت خير معين فى مرحلة الحصاد.. ليقدمها للقريبين منه.. كنوزًا ثرية بمناحى السلوك الرشيد.. ولعل هذا السر فى الرباط السحرى بين الأجداد والاحفاد.. بالنسبة لى ومع استراحة محارب التقطت فيها الانفاس من ماراثون للجرى متواصل لعشرات السنين.. جلست على المكتب استحضر بعضًا من تلك الرسائل أملاً أن يجد من يقرأ فيها ما يفيد.
ليس مهمًا الترتيب الزمنى.. لأنها تتكامل بفعل الحاجة.. وتجتذب إليها فقط المحتاج والمنتظر والمتردد والمقبل على استكمال تأهيل شخصيته.. والخطوة الأولى فى الانطلاق نحو السلوك الرشيد.. الذى يتوافق مع قيم المجتمع الذى يحيا فيه.. وتوجيهات وتعليمات الدين.. مع ثقة المرسل فى أن رسالته للمتلقى ستكون مفيدة وداعمة له.. كى تكون حياته إضافة لأمن واستقرار المجتمع.. وعاملاً إيجابيًا يساعد على أحداث التطور المنشود.
تبدأ هذه العلامات أثناء تواجدى للدراسة العملية.. فى قلب إحدى الدول الأوروبية.. والتعامل الاستكشافى مع شعب صديق خرج من سنوات من أتون الحرب العالمية الثانية.. واعاد تنظيم قواه وإرادته لإعادة البناء والإعمار.. كنت على وشك الرحيل إلى أرض الوطن واشتريت عروسًا دمية جميلة لشقيقتى الصغرى.. ولكنى نسيتها فى حديقة عامة وعدت إلى المسكن.. لاتذكرها بعد ٣ أيام.. أثناء تحضير حقائب السفر وتمسكت بالأمل الضعيف.. أن أجدها بالحديقة.. ذهبت إلى هناك وكانت المفاجأة.. أن العروس وعلبتها مازالت على المقعد الذى نسيتها عليه.. ما حدث جعلنى اتمسك بالأمانة قيمة ذات أولوية فى حياتى.. وارشدتنى إلى اعتماد الصدق.. والبعد عن الكذب مهما كانت المغريات.. وصنعت حاجزًا فى النفس ضد النفاق مهما كان.. وهى الخصائل الحميدة التى كانت داعمًا أساسيًا فى عملى الصحفى الذى تجاوز نصف القرن.. وأحمد الله سبحانه وتعالى كثيرًا لما وصلت إليه فى سلم المهنة.. وارشادى إلى مسار للابداع والكتابة ونقل الخبرات إلى الأجيال.. وهو ما اشار به ضميرى.. مؤكدًا أن التواصل مع الاجيال خير رد على لقيته من اهتمام ودعم وارشاد من رواد مهنة الصحافة والأدب القمم الشامخة التى علمتنى ما لم ادرسه فى الجامعة.. ولهم كل التحية والتقدير والدعوات.
تعلمت أيضا أن رد الجميل فضيلة تعود بالخير على الجميع.. وألا استمع لنصيحة من شخص يدخن بشراهة طالبًا منى الاقلاع عن التدخين.. وكذلك الحديث الطيب أو الصمت البليغ.. والفصل بين مشاعرى الشخصية.. والعمل الذى يقدمه شخص لا أحبه.. وتفضيل المصلحة العليا.. التى تستوعب الخير للجميع مهما ظن البعض أنها ستمر عليه مرور الكرام.
ولا ننكر ما تعلمناه فى المدرسة من أساتذة أفاضل.. يمارسون التدريس كهواية ويتنافسون فى أعداد الأجيال.. لا يقتصر عملهم على شرح الدروس فقط.. بل يسعون ليكون جميع الطلاب.. متقاربين فى المستوى أوفياء.. منتمون للوطن.. يسعدون باكتشاف مواهبهم ورعايتهم.. وعندما يقابلونهم فى الحياة العملية تتدفق العاطفة والحب والجزاء المعنوى الذى لا يقدر بثمن.. وبالنسبة للأسرة.. فكان من حسن الطالع أننى نشأت فى أسرة كثيرة العدد.. يقودها أب مكافح.. وأم صامدة.. صابرة.. تمسكا بالعدالة بين الأبناء والبنات.. وفى النهاية كان فخر الأب كبيرًا بتسعة من الأبناء أهم فى رأيه من امتلاك العمارات.. ولأن الطبيعة مازالت تتجدد والإنسان يسعى.. فإن الباب مفتوح.. ودار السلوك الرشيد تتسع للجميع.