البداية
١١ فبراير ٢٠١١..
ربما لم يكن هذا اليوم فارقًا فى تاريخ مصر فقط بل كان فارقًا أيضاً في حياة مهندس البترول الكبير.
لقد آثر الرجل ألا يستخدم سيارته الخاصة أو سيارة العمل خلال هذا اليوم الذى شهد أحداث جسام وكيف لا وقد كان يوم تنحى رئيسًا لم يعرف ثلاثة أجيال فى تاريخ مصر غيره.
كان الرجل بمنطقة المعادى لإنجاز بعض الأعمال وأراد العودة إلى مسكنه بمنطقة التجمع الخامس وشرع فى استيقاف سيارة أجرة ( تاكسى)
توقف له شاب فى العشرين من العمر يقود سيارة تاكسى وأجابة إلى طلبه.
صعد المهندس السيارة وجلس بجانب السائق ودار حديثًا مطولاً بينهما خلال المسافة بين المعادى والتجمع الخامس سأل فيه المهندس الكبير السائق الشاب عن أحواله المعيشية ومقدار دخله من التاكسى فأخبره أنه مملوك لوالده وأنه يتقاضى منه مائة جنيه فى اليوم.
انتهى هذا الحديث بأن عرض المهندس على السائق أن يعمل سائق خاص عنده له ولزوجته المريضة فوافق على الفور السائق !
ذهب الشاب وهو سائق تاكسى وعاد وقد عُين سائقًا خاصا لدى المهندس وزوجته!...
هكذا لعبت الصدقة دورًا كبيرًا لكل منهما.
بدأ السائق عمله الجديد وكان منضبطًا مما حدا بالمهندس أن يطرح عليه فكرة لزيادة دخله وكانت أن يقوم المهندس بشراء " تاكسى" بإسم السائق يتملكه بعد سداد أقساطه من نتاج ربحه و استحصل منه على عدد إيصالات أمانة ضمانًا لجدية الاتفاق.
توطدت العلاقة بينهما حيث قضى السائق مع المهندس حتى تلك اللحظة ست سنوات .
فنحن الأن فى سنة ٢٠١٧.
مرت ست سنوات منذ أن تقابلا صدفة فى منطقة المعادى.
بعد ذلك قام المهندس بشراء سيارة خاصة جديدة بعدما أخبره السائق برغبته فى أن يستغلها للعمل بشركة تشغيل السيارات ( ) فى مقابل مبلغ شهرى يتقاضاه المهندس وهو ما تم بالفعل. وسارت الأمور طبيعية فى بدايتها لكن الأمر لم يستمر طويلاً
فقد تعثر السائق وامتنع عن سداد المبالغ المستحقة عليه سواء ثمن سيارة التاكسى أو ايجار السيارة الخاصة التى تعمل بشركة تشغيل السيارات.
طالبه المهندس أكثر من مرة بالالتزام بما تم الاتفاق عليه وأنه لم يفعل ذلك إلا ليساعده على أعباء المعيشه وتحقيق مستوى حياة أفضل له لكن ذلك دون جدوى فتراكم على السائق مبالغ تعدت المائة الف جنيه وأكثر من ذلك فقد قام السائق ببيع السيارة التاكسى الجديدة دون أن يخبره بل و بدد أموالها. كل هذا لم يجد المهندس الكبير معه بد سوى أن ينذره باتخاذ الإجراءات القانونية قبله بأن يقدم إيصالات الأمانة إلى المحكمة.
كان الموظف يبحث عن الالتزام أكثر من المادة وإلا ما كان قد صنع كل هذا للسائق فلم يكن الأمر فى حقيقته مادة.
الشيطان يحضر
٢١ نوفمبر ٢٠١٧.
اتفق السائق مع المهندس الكبير أن يحضر له صباح باكر هذا اليوم تحديدا الخامسة والنصف عند الفيلا الخاصة به بمنطقة التجمع الخامس وذلك للذهاب إلى منطقة العلمين وهى فى طريق شركة المهندس ليعطيه من المبلغ المستحق عليه سبعون الف جنيه بعدما أوهمه بأن أحدهم سيعطيه هذا المبلغ هناك.
عند الخامسة والنصف صباحًا كانت مديرة الفيلا تستقبل السائق تخبره أن " البشمهندس" سيكون جاهزا حالاً وقدمت له مشروبًا.
بعد دقائق ودع المهندس زوجته المريضة واتفقا على أن يحادثها هاتفيًا طوال الطريق.
كان الطبيب المعالج لزوجته قد منعها من أن تضع الهاتف على أذنها وأن تستخدم مكبر الصوت ال( سبيكر).
كان هذا اليوم ضباب والرؤية صعبة للغاية لكن السائق أخذ فى القياده وبجواره المهندس ودار حديثًا بينهما أتهم فيه المهندس السائق بالإهمال والكذب وأنه سوف يتخذ ضده الإجراءات القانونية لاخلاله بما التزم به وهذا أمر لا رجعة فيه إن لم يسدد ما هو مستحق عليه من مبالغ تمثل قيمة السيارة التاكسى الجديدة التى اشتراها باسم السائق والسيارة الخاصة التى تعمل بشركة النقل وكانت بإسم المهندس.
عند الكيلو ٤٠
كان الضباب كثيفًا فطلب السائق من المهندس أن يأخذ قسطًا من الراحة وأيضا من أجل(مسح) زجاج السيارة.
ترجل المهندس من السيارة لإراحة قدمه وهو يحادث زوجته لبضعة دقائق وكان يرتدى (جاكت).
عندما عاد المهندس جلس بذات المقعد بجانب السائق الذى لم يكن موجوداً بالسيارة.
جلس ينتظر حضوره بعد أن وضع هاتفه المحمول داخل الجيب الداخلى للجاكت الذى يرتديه ولم تمض دقيقة واحدة على ذلك حتى فاجأته يد السائق وهى تمتد من المقعد الخلفى الذى اختبأ به وقد أمسك ( بالفوطه) التى كان يمسح بها زجاج السيارة يحاول خنق المهندس وبالفعل فقد كتم نفسه مما غاب معه جزء من وعيه.
فى هذه اللحظة ومن أثر المفاجأة صرخ المهندس بصورة هستيرية ومن هول المفاجأة " ليه كده يا أحمد.. ليه..أنا عملت معاك ايه..ده جزائي يا أحمد.. انت بتعمل كده ليه"!!
الزوجة تستمع إلى تفاصيل الاعتداء على زوجها
لقد ترك المهندس الهاتف مفتوحًا بعد أن أنهى مكالماته مع زوجته (ربما كان هذا سهواً أو عن عمد)
فسمعت الزوجة المريضة صوت زوحها وهو يستغيث ويردد تلك الكلمات..
(ليه كده يا أحمد..)
أخذت الزوجة تصرخ وهى تستمع إلى استغاثة زوجها وكان بجانبها مديرة المنزل تستمع عبر الهاتف وهى تحاول أن تهدى من روعها وأخذت تصرخ...( مجدى...مجدى..
رد عليا..)
الاغتيال
لم يستمع أحمد لصراخ الزوجة فقد كان مشغولا بالاغتيال!..
اغتيال اليد التى امتدت له وصنعت له ما لم تصنعه يدا أباه.
عندما لم يستطع أحمد أن يجهز على المهندس خنقًا امتدت يده إلى مفتاح تغيير اطارات السيارة وانهال به ضربًا فوق رأس المهندس من الخلف وكلما شعر أنه مازالت به الروح زاده ضربًا فوق رأسه وفى أماكن مختلفة فى جسده.
وكلما شعر أنه مازال يتنفس اشتد ساعده وهو يهوى بتلك الآلة فوق رأسه!..
على الجانب الآخر كانت الزوجة تستمع لتأوهات الزوج وهو ينازع الموت ومن قبلها كانت تستمع لأصوات ارتطام زوجها داخل السيارة وهى مازالت تصرخ تناديه تاره وتستصرخ السائق تارة أخرى!..
السائق يستمع أخيرا لصوت الزوجة يتصاعد من هاتف الزوج
لقد أجهز السائق على المهندس ولم يعد هناك صوت ارتطام وسكن الجميع...المهندس لفظ أنفاسه الأخيرة والقاتل خارت قواه وجلس يلتقط قواه لكن صوت الزوجة الذى يعرفه جيدًا يتصاعد من هاتف المهندس حيث كان بالجيب الداخلى للجاكت الذى يرتديه!..
كان هذا مفزعًا له أكثر من أى شىء!..
لم يكن يحسب أن كل ما صنعه كان مسموعًا!..
ارتبك السائق وامتدت يده وهى ترتعد داخل جيب الجاكت ونظر إلى الهاتف وبالفعل كانت زوجته تصرح وهى تناديه تطلب منه أن يجيبها!..
ارتعد السائق أكثر وأغلق دون أن يدرى الهاتف وكان عليه أن يتخلص من الضحية فقد أصبح المهندس جثة هامدة!..
القى جثته بجانب الطريق الصحراوى وأخذ فى القيادة عائدًا إلى القاهرة.
قام بفتح هاتف المجنى عليه وأجاب زوجته فأخبرها أنه تعرض لحادث سرقة هو البشمهندس.
عدد من الأشخاص يستقلون سيارة نصف نقل اعترضوا طريقهم وقاموا بالتعدى على البشمهندس بالضرب بشومة فوق رأسه وهو الآن مغمى عليه وأنه يقود السيارة بسرعة هربًا من مطاردة هؤلاء.
كان السائق يكذب وكانت الزوجة تعلم أنه يكذب لكنها تشبثت بأمل حتى ولو كان كاذب.
اتصلت بإبنتها الوحيدة وزوجها وهو ابن عمها وأخبرتهما ما حدث واتصلت بشقيق الزوج أخبرته أيضا بما حدث.
ظل كل من شقيق المجنى عليه وزوج ابنته يتواصلان مع السائق أثناء عودته واتفقوا على أن يتجه السائق إلى مستشفى الطيران من أجل إسعاف الزوج حيث أخبرهما السائق أنه بالمقعد الخلفى فاقد الوعى.
انقطع هاتف السائق بعد ذلك ولم يعد هناك أى اتصال فيما بينه وبينهم.
فى طريق عودته دخل السائق إحدى محطات تموين البنزين وطلب من العامل غسيل السيارة جيدًا من بقع الدم المتناثرة داخل السيارة حيث أخبره أنها بسبب قيامه بنقل أحد المصابين فى حادث إلى المستشفى!..
ذهب أهلية المهندس جميعا إلى قسم شرطة التجمع الأول لتحرير محضر خطف ضد السائق.
هناك اتصل قسم شرطة وادى النطرون بقسم شرطة التجمع وأخبرهم بأن المهندس تعرض لحادث وطلب من أهليته الحضور.
اتجه إلى قسم وادى النطرون شقيقه وزوج ابنته بينما ظلت الإبنة ترافق أمها المريضة.
هناك كان صوت الحقيقة المؤلم!..
لقد قُتل المهندس وعثروا على جثته بجانب الطريق الصحراوى!
تم القبض على المتهم مختبئًا بإحدى مراكز محافظة الفيوم بعد ثلاثة أيام على الحادث وبعد اتباع الإجراءات القانونية الصحيحة.
اعترف المتهم تفصيلاً بالتحقيقات وكان قد أرشد عن هاتف المجنى عليه بعد أن تخلص من شريحته والسيارة والملابس التى كان يرتديها وقت الحادث وقد أعاد تمثيل الجريمة أمام النيابة بكل تفاصيلها.
فى جلسه المحاكمة اعترف المتهم مبرراً فعلته بأنه كان واقعًا تحت ضغط التهديد بتحريك إيصالات الأمانة قبله.
استمعت المحكمة إلى شهود الإثبات واستمعت الى شهادة الزوجة!...
لقد دخلت إلى قاعة المحكمة عند استدعائهت وهى تجلس فوق كرسى متحرك تساعدها ابنتها ..لقد اصيبت بشلل تام عقب الحادث!..
شهدت بكل شىء وتذكرت أكثر اللحظات رعبًا فى حياة أى إنسان.
انهارت الزوجة وابنتها بمجرد رؤيتهما أحمد خلف القضبان الحديدية ووظلت ترد( ليه كده يا احمد..ليه كده يا احمد) !!
يالا المأساة!..إنها تردد آخر ما استمعت إليه من زوجها!..
لقد علقت فى ذهنها تلك الجملة ( ليه كده يا احمد)!..
الشاب الذى حضر لأول مرة إلى بيتهم وهو فى العشرين من العمر هو قاتل أبيها!..
الشاب الذى كان يعدونه أحد أفراد الأسرة هو قاتل أببها!..
ما أقسى أن تغتال يد من أحسن إليها!..
فندت المحكمة الوقائع وردت على الدفوع واستظهرت قصد القتل ومشروعية الاعتراف وكان قرارها بإجماع الأراء إحالة الاوراق إلى مفتى الجمهورية لبيان الحكم الشرعى في الجرم الذى آتاه المتهم.
ورد رد مفتى الجمهورية بعد رد الواقعة إلى أصولها الشرعية وكانت هذه العبارة: " ولما كان ذلك وكان من المقرر عند فقهاء الشريعة أن الضرب بآداب(حديدة) أو نحوها والذى ينجم عنه القتل غالباً فذلك من قبيل القتل العمد الموجب للقصاص شرعا إعمالاً لقوله تعالى( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص فىِ القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفى له من أخيه فاتباع بالمعروف.."
صدق الله العظيم.
فمتى كان ذلك وكانت الدعوى قد أقيمت بالطريق الشرعي قبل المتهم ولم تظهر فىِ الأوراق شبهة درء القصاص عنه كان جزاؤه الإعدام قصاصاً لقتله المجنى عليه.
فى الجلسة المحددة للنطق بالحكم حكمت المحكمة حضورياً وإجماع الآراء بمعاقبة المتهم بالإعدام شنقاً.
من بين ما سردته المحكمة فى أسبابها كانت تلك العبارات:
" كيف يتغلغل الشر هكذا داخل الإنسان؟!
كيف يصبح أقرب اليه من انسانيته وكيف يصير لصيقًا به أكثر من وجدانه" ؟!
ثم تذكرت المحكمة أخوة يوسف فقالت:
"وحتي عندما استبد الحقد بأخوة يوسف لم يقتلوه و ألقوه في غيابة الجب ثم تركوا له طوق النجاة حتى يلتقطه بعض السيارة، ولما جاءوا إلي أبيهم بقميصه.. كان القميص بدم كذب.
أُنظروا..!
رغم كل الحقد لكنهم لم يغلقوا أمامه سبل الحياة لكننا هنا حقدنا واستحالت أحقادنا نيران موقودة بصدورنا، فقتلنا، وتناثرت دماء الأبرياء حتى أنها لم تترك موضعًا بثوب العدالة دون أن توصمه.
كان قميص يوسف بدماء كاذبة لكننا صنعنا آلاف القمصان بدماء حقه.. دماء تستصرخ قصاصًا يسكن ثورتها ويخمد ضجيج آلامها"
لقد أُسدل الستار على القضية!..
لكنه لم يُسدل على الجريمة!..