ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

لم تعد قاعاتُ المحاكم مجرّدَ جدران صمّاء تفصل خلفها النزاعات وتُصدَر منها الأحكام، بل أصبحت اليوم مختبراتٍ حيةً تعيد تعريف العدالة في القرن الحادي والعشرين. من كندا إلى أستراليا، ومن السويد إلى جنوب أفريقيا، يتشكّل إجماع عالمي على أن العدالة الحقيقية لا تكتمل إلا حين تُصبح صديقةً للأسرة، حانيةً على الطفل، ومتصالحةً مع الطبيعة. تلك ليست شعاراتٍ مثالية، بل هي ممارساتٌ تُطبّق في محاكم تعيد اختراع ذاتها: من قلاع قانونية منيعة إلى ساحاتٍ مجتمعية مفتوحة، تجمع بين هيبة القضاء ودفءِ الإنسانية.

واليوم، تقف أبو ظبي في طليعة هذا المشهد، لا كمتلقٍ للنماذج، بل كصانعةٍ لرؤية عربية حديثة: العدالةُ هنا لا تُفصَّل فقط على مقاس نصوص القانون، بل على مقاس كرامة الإنسان وحقوق الطفل واستدامة البيئة.

نحو تشريعات تضع الإنسان أولاً: في قلب هذا التحوّل يأتي المرسوم بقانون اتحادي رقم (41) لسنة 2024 بشأن الأحوال الشخصية، ليحدث نقلة نوعية في المنظومة التشريعية الإماراتية. هذا القانون، الذي جاء ليحلّ محلّ قانون 2005 الملغى، أعاد رسم خريطة العلاقات الأسرية بوعيٍ عصريٍّ ومسؤول.

لم تعد الحضانة مثلاً حقًا ينزعه الأب من الأم أو العكس، بل أصبحت مصلحة الطفل الفضلى هي النجم الهادي لكل قرار. حيث نصّت المادة (112) الي المادة (124 ) بوضوح أن : "مصلحة المحضون هي المعتبرة في جميع الأحوال"، المادة(1) من قرار مجلس الوزراء رقم (52) لسنة 2018 بشأن اللائحة التنفيذية للقانون الاتحادي رقم (3) لسنة 2016 في شأن حقوق الطفل "وديمة" على أن المصلحة الفضلى للطفل: جعل مصلحة الطفل فوق كل اعتبار وذات أولوية وأفضلية في جميع الظروف ومهما كانت مصالح الأطراف الأخرى.بل مضى القانون أبعد من ذلك حيث رفع سن الحضانة إلى الثامنة عشرة بغض النظر عن جنس الطفل (المادة 123) ، مع إتاحة سماع رأيه بعد الخامسة عشرة إذا تعلّق الأمر بمكان إقامته (المادة 122)  .

وفي دعوة ذكية للصلح قبل الخصومة، ألزمت المادة (8) عرض النزاعات الأسرية أولًا على " مركز الإصلاح والتوجيه الأسري لحل الخلاف بينهما بالطرق الودية، لتصبح المحكمة آخر الملاذات لا أولها. أما النفقة، فتم تنظيمها بحيث تضمن العيش الكريم للأطفال والزوجة، مع تقنين أثرها الرجعي حمايةً للطرفين. وأكد القانون استقلال الذمة المالية للمرأة (المادة 51) ، وحقها في السكن، أثناء العدة والحضانة المواد (101) و(119 )، ومنحها حمايةً من أي إساءة في تسجيل الطلاق أو الرجعة ( م 64 ) .

بهذا، تتلاقى أحكام قانون 41/2024 مع روح قانون حقوق الطفل "وديمة" " قانون اتحادي رقم (3) لسنة 2016 "، الذي جعل مصلحة الطفل فوق كل اعتبار، وفرض حمايته من الضرر النفسي أو الجسدي أثناء التحقيق أو المحاكمة، والتزم بمبادئ اتفاقية حقوق الطفل الدولية. هنا، لا تُترك العدالة للأحكام المجردة، بل تُستدعى الخبرة الاجتماعية عبر وحدات حماية الطفل التي ترفع تقاريرها إلى القضاة، ليصدر الحكم مسنودًا بمعرفةٍ واقعيةٍ لا قانونيةٍ فقط ( م 41، 47 ،54) .

العدالة في العمارة: من القلعة إلى الساحة المفتوحة، إذا كانت النصوص هي روح العدالة، فإن المباني هي جسدها. والعدالة التي نراها في محاكم أبوظبي ليست مكتوبة بالحبر فقط، بل محفورة في الحجر والزجاج والضوء.

في مباني دائرة القضاء بأبوظبي، تحلّ الواجهات الزجاجية محل الجدران المنغلقة، ليغمر الضوء الطبيعي البهو المركزي الواسع (الأتريوم)، مُعلِنًا بلغة العمارة أن القضاء جزء من المجتمع لا سلطة فوقه. صُمّمت المسارات بعناية: للمتقاضين مساراتهم، وللعائلات والأطفال صالات انتظار مريحة ومُخصّصة، بعيدًا عن صخب قضايا الجزاء. حتى نقل الموقوفين يتم بممرات ومصاعد منفصلة، فلا يشهد طفلٌ في قاعة الأسرة مشهد قيودٍ أو زِيّ شرطة.

تظهر الهوية الإماراتية جليةً في التفاصيل: مشربيات عصرية تُظلّل الواجهات، زخارف هندسية تستدعي الجذور الإسلامية، ومظلات كبيرة ترمز إلى "مظلة العدالة" التي تحمي الجميع. وفوق هذا كله، تلتزم المباني بمعايير الاستدامة: مواد بناء صديقة للبيئة، أنظمة توفير طاقة ومياه وزراعة خضراء مثمرة،"وهذه الخضرة المثمرة على هامات المباني القضائية ليست مجرد لمسة جمالية، بل هي تطبيق مباشر وعميق لرؤية الدولة نحو الاستدامة، والتي تجد سندها في قرار مجلس الوزراء رقم (31) لسنة 2018 بشأن الزراعة المجتمعية. هذا القرار الرائد يعرّف الزراعة المجتمعية بأنها توظيف الموارد المتاحة كأسطح المباني لخدمة المجتمع وتعزيز البيئة. والأهم من ذلك، أن المادة (9) من القرار تُلزم الجهات الحكومية باستغلال المساحات المتاحة في المباني التي تشغلها لزراعة نباتات محددة تسهم في تعزيز الأمن الغذائي والاستدامة البيئية. بهذا، لا تصبح ساحات المحاكم وأسطحها مجرد مكان لتحقيق العدالة بين الناس، بل تتحول إلى مزارع مجتمعية صغيرة ومنتجة، تجسد فلسفة "العدالة الخضراء" بأبهى صورها، حيث يلتئم النص القانوني مع الأرض، وتتحول العدالة من مفهوم مجرد إلى ممارسة حية ومثمرة."  فضلا عن أسطح مجهزة بألواح شمسية تُعلّم الزائر أن العدالة هنا لا تحمي الإنسان فقط، بل الكوكب أيضًا.

أبوظبي الممارسة اليومية: حيث تتحول النصوص إلى حياة، ليست العمارة وحدها ما يجعل محاكم أبوظبي نموذجًا؛ بل الممارسات اليومية التي تحوّل النصوص إلى حياة.

هنا، تجد لجان التوجيه الأسري، تفتح أبوابها للحوار قبل الخصام، وتحاول رأب الصدع قبل أن يُحمل إلى منصة القضاء. تجد مراكز الرؤية الأسرية، حيث يلتقي الطفل المنفصل عن أحد والديه في أجواء مُريحة، بعيدًا عن صالات المحكمة الرسمية. وإن تعذّر اللقاء المادي، فعبر الرؤية الإلكترونية، يظل خطّ التواصل الإنساني مفتوحًا.

هنا أيضًا وحدات حماية الطفل، التي تتدخل مبكرًا عند الاشتباه بوجود خطر، وتُعدّ تقارير اجتماعية ونفسية تضيء للقاضي خلفيات القضايا الأسرية. وفي الخلفية، تعمل برامج "العدالة الصديقة للطفل" التي أطلقتها أكاديمية أبوظبي القضائية، لتدريب القضاة والاختصاصيين على التعامل مع القضايا بحساسية ووعي، يُدرك أن كلمةً قاسية في المحكمة قد تترك أثرًا طويلًا في نفسية طفل.

من العالم إلى أبوظبي... ثم إلى العالم العربي، ما تفعله أبوظبي لا يحدث في فراغ. إنه يتناغم مع أفضل ما في التجارب العالمية: من كندا، تستلهم فكرة سماع صوت الطفل والتأكد من سلامته النفسية. ومن أستراليا، تأخذ نموذج المحاكم المتخصصة للأطفال ببيئة علاجية. ومن السويد وفنلندا، تستلهم فكرة "بيت الأطفال" الذي يجمع القاضي والأخصائي والشرطة تحت سقف واحد. ومن هولندا، تقتبس الحق القانوني للأطفال في التعبير عن آرائهم. ومن اليابان، تتعلّم التركيز على الإصلاح لا العقاب. ومن جنوب أفريقيا، تلتقط الرمز: العدالة ليست سلاحًا فوق الرؤوس، بل شجرة ظل مثمرة يجتمع تحتها المختلفون.

لكن ما يميز الإمارات أنها لا تستنسخ هذه النماذج، بل تعيد صياغتها بهوية محلية. العدالة هنا ليست مشروعًا مستوردًا، بل نتاج مسار طويل من التطوير القانوني، والانفتاح المؤسسي، والتفكير المستدام.

دعوة للمستقبل: خريطة طريق عربية، ما يلوح من أبو ظبي هو دعوةٌ مفتوحة لبقية العالم: حيث وضعوا المصلحة الفضلى للطفل على رأس قوانين الأسرة. وأسّسوا محاكم متخصصة للأسر والأحداث، بقضاة وخبراء مدرّبين. وأدمجوا الخدمات المساندة داخل المحكمة: وساطة، إرشاد نفسي، تقارير اجتماعية. وأعيدوا التفكير في العمارة القضائية: اجعلوها شفافة، مستدامة، بخضرة مثمرة وإنسانية. واخرجوا من أسوار العدالة: افتحوا أبوابكم للمجتمع، للتوعية، للثقة، وأجعلوا محاكمكم منارات توعوية ومجتمعية ومزارات ومتاحف سياحة داخلية وعالمية لاطلاع العالم على حضاراتنا وتطورها القانوني والقضائي واثرة على التنمية والحضارة والتسامح والانفتاح.

العدالة الخضراء التي نحتاجها هي، ليست ترفًا أخلاقيًا. إنها استثمارٌ في استقرار الأسرة، في حماية الطفولة، في الثقة المجتمعية، وفي استدامة وإنتاجية الأرض التي نعيش عليها. في كل طفلٍ يدخل قاعة المحكمة، هناك مستقبل وطن وأمة عربية تجدد مجدها؛ وفي كل أسرةٍ تجد العدل لا الخصومة، هناك لبنة في بناء مجتمع متماسك.

وفي النهاية، أبوظبي تقول اليوم للعالم أن العدالة ليست جدارًا، بل جسرًا لوحدة حضارة أمتنا؛ ليست حكمًا فحسب، بل حضن؛ ليست قانونًا فقط، بل حياة نسعى فيها لتجديد أمجاد أمتنا العربية وحضارتها التي شاع نورها ليعلم العالم سابقًا. وقد آن الآوان لننهض من جديد.

تم نسخ الرابط