ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

هل يمكن أن يستقر مجتمع دون عدالة؟.

 وهل تكفي النصوص الجنائية وحدها لصيانة السلم العام؟.

 ماذا يحدث حين يشعر الفرد أن القانون موجود على الورق فقط؟.

وأين يقف القانون الجنائي حين تتصدع العلاقات بين المواطن والدولة، أو بين الناس بعضهم البعض؟.

هل نعيش فعلاً في سلام أم في هدنة مؤقتة تنتظر أول صدمة؟.

السلام ليس شعارًا معلقًا في الخطب الرسمية، بل هو حالة نفسية واجتماعية يشعر بها الإنسان في تفاصيل حياته اليومية. 

وحين نبحث عن جذور هذا السلام، نجد أن الشعور بالأمان والعدل هو حجر الأساس.

 هنا يتشابك دور القانون الجنائي مع جوهر الحياة الاجتماعية. 

فالقانون لا يُصنع فقط لمعاقبة الخارجين عنه، بل ليصون الأمل في أن الحياة يمكن أن تستمر دون خوف، وأن الحقوق يمكن أن تُسترد دون عنف، وأن الكرامة الإنسانية لها "حارس أمين" لا ينام.

القانون الجنائي، حين يكون عادلًا ومتوازنًا، يصبح أداة تهذيب لا انتقام. 

هو صوت المجتمع في لحظة غضب، لكنه أيضًا صوته في لحظة حكمة. 

إذا شُرع القانون ليكون فقط أداة ردع، فقد يحقق الأمن المؤقت، لكنه لن يصنع السلام.

 أما إذا شُرع بروح توازن بين حماية الفرد، وصون الجماعة، واحترام الكرامة، فإنه يصبح أداة بناء لا هدم، ترميم لا سحق، إصلاح لا إذلال.

وفي كثير من المجتمعات، قد توجد قوانين صارمة، لكن يغيب السلام. 

السبب ليس في النصوص، بل في "التطبيق". حين يشعر المواطن أن العدالة لا تُوزَّع بعدل، وأن القانون يُفعّل في وجه الضعيف ويغيب عن القوي، يتولد داخل النفس احتقان صامت، لا تراه في الأرقام، لكنه يتكلم في" السلوك"، ويتسرّب إلى العلاقات الاجتماعية في صورة توجّس، أو لا مبالاة، أو حتى ميل إلى انتهاك القانون كرد فعل على شعور بالظلم.

السلام الجنائي لا يُفرض بالعقوبة، بل يُبنى "بالثقة". 

والثقة لا تنشأ بين يوم وليلة، بل تتشكل عبر ممارسات يومية عادلة، تُظهر للمواطن أن القانون ليس خصمًا له، بل ضامن لحقوقه، ودرعٌ ضد تعسف أي سلطة أو فئة. 

ولهذا، فإن التكامل بين أجهزة العدالة الجنائية – الشرطة، النيابة، القضاء– ليس رفاهية إدارية، بل هو جوهر فكرة العدالة نفسها. 

كلما تصدعت هذه المنظومة، اهتزت معها صورة العدالة في ذهن المواطن، وتراجع معها الإحساس بالطمأنينة.

كما أن الوقاية الجنائية لا تُقاس فقط بعدد الجرائم التي تم ردعها، بل بمدى الشعور العام بأن القانون يعمل في صمت لكنه حاضر. 

أن المواطن إذا ظُلم، لا يحتاج إلى نفوذ ولا إلى إعلام، بل يكفي أن يلجأ إلى القانون فيجد فيه ملاذًا كريمًا لا مذلة فيه. فالأمان الحقيقي لا يأتي من وجود قوة ضاربة، بل من وجود عدالة تُنصف الضعيف وتحاسب القوي.

ليس المطلوب من القانون الجنائي أن يُصلح كل علل المجتمع، لكنه يملك أن يكون صمام الأمان الذي يمنع الانهيار الأخلاقي والاجتماعي حين تشتد الأزمات.

 في وقت الفوضى، لا يُنقذ المجتمع إلا قانون يُحسن الإصغاء لوجعه، لا قانون يُكمل ضرباته. وفي زمن التحولات المتسارعة، يصبح القانون العادل هو العامل الوحيد الذي يضمن أن الانتقال لن يتحول إلى تفكك.

السلام الجنائي ليس فكرة نظرية، بل هو تجربة يومية للناس مع القانون: هل هو قريب منهم أم بعيد؟ هل يسمعهم أم يتحدث بلغة لا يفهمونها؟ وهل يطبّق بعدل أم بانتقائية؟ الإجابة على هذه الأسئلة لا تكون بالخطب، بل بالتجربة، وبالشفافية، وبوجود مؤسسات تعمل بروح الإنصاف لا الاستعلاء.

وإذا أردنا أن نحمي هذا السلام، فلا بد أن نستثمر في الإنسان قبل أن نعاقبه، أن نمنحه فرصة الفهم قبل أن نصدر الحكم، وأن نربّي في المجتمع ثقافة احترام القانون لأنه عادل، لا لأنه مُخيف. 

وحدها العدالة التي تمشي على الأرض، وليست تلك التي تُكتب في الكتب، قادرة على أن تصنع سلامًا لا يحتاج إلى حماية بالسلاح. 

والله من وراء القصد.

تم نسخ الرابط