هذه مقالة تتألف من ثلاثة أجزاء، أكتبها بقلب ممتن وعقل مخلص، عن الأزهر الشريف: هذا الكيان الذي لم يكن يومًا مجرد مؤسسة، بل ظلّ عبر القرون ضميرًا حيًّا للأمة، وعنوانًا مضيئًا للفكر الإسلامي الوسطي، ومقصدًا عالميًّا للعلم والعقلانية والرحمة.
في الجزء الأول، أتأمل في الأزهر كما يعرفه العالم: ما هو؟ ولماذا ظل يحظى بكل هذا التقدير العابر للحدود؟ وكيف استطاع أن يكون رمزًا من رموز الاعتدال والوعي الإنساني؟
أما في الجزء الثاني، فأكتب عن سبب احترام العالم للأزهر وشيخ الأزهر الجليل، والمقال الثالث عن الأزهر كما يسكنني… كما شكّل وجداني، وعلّمني كيف أكون، رغم ما يعتري النفس أحيانًا من ألم أو غضب حين ترى من لا يُجيد تمثيله، أو يتحدث باسمه بما لا يشبه روحه. لكني حين أغضب… لا أغضب من الأزهر، بل أغضب لأجله. فالأزهر، في جوهره، أنقى من أن تُقيَّم مكانته بأفعال عابرة أو أخطاء بشرية، فهو: "شجرة وارفة يبيت حولها بعض الهوام، لكنها تظل سامقة، عظيمة، تؤتي أُكُلها كل حين بإذن ربها."
الأزهر ١
الأزهر الشريف: قلب مصر الناعم وروحها العاقلة
التأسيس والجذور التاريخية: تأسست مؤسسة الأزهر الشريف في قلب القاهرة، مع بناء جامع الأزهر على يد القائد الفاطمي جوهر الصقلي بأمر الخليفة المعز لدين الله الفاطمي سنة 359 هـ (970م). واستمرار البناء حتى افتتاحه للصلاة في 7 رمضان 361 هـ (972م)، ليكون أول جامع في مدينة القاهرة وأقدم أثر فاطمي قائم بمصر.
سُمّي الجامع "الأزهر" تيمّناً بالسيدة فاطمة الزهراء بنت النبي محمد ﷺ، إشادة واعتزازًا بمكانتها فكان شريفا في نسبه ورسالته منذ تأسيسه.
لم يكن الأزهر مجرد مسجد للصلاة، بل وُلد منذ البداية كمعقل علم ديني وحضاري، حيث شرع في تدريس العلوم الإسلامية واللغوية بمختلف مذاهبها، وكان مؤسساً ليدرس فيه المذهب الشيعي ابان العصر الفاطمي، ثم بمرور الوقت تحول إلى قلعة علمية للمذاهب السنية، مما أهّل القاهرة لتكون "عاصمة الثقافة الإسلامية" عبر العصور.
عمليا استمر الأزهر حصنا للثقافة والهوية المصرية خلال الحكم الإسلامي المتعاقب بمصر (الفاطمي، الأيوبي، المملوكي، العثماني)، وظل الأزهر مرجعًا علميًّا ودينيًّا شامخًا وصمام أمان للهوية الدينية واللغوية. حافظ على الطابع العربي الإسلامي في التعليم والفتوى، كما كان ملاذًا لطالبي العلم من أنحاء العالم الإسلامي بنظامه العلمي الصارم ونشاطاته العلمية والتعليمية المستمرة. وقد تطورت بنيته وأدواره، وبرز منصب شيخ الأزهر كقيادة مستقلة لمؤسسة عابرة للعصور..
كان الأزهر مركز المقاومة الوطنية إبّان الحملة الفرنسية، حيث خطط علماؤه لثورات القاهرة الأولى التي دافع فيها عن مصر وثوابتها وتحمّل علماؤه التعذيب ومحاولات النّيل من المؤسسة.
الاستقلال العلمي: أُعيد تنظيم الأزهر بقوانين إصلاحية في القرن العشرين (1911، 1961)، والتي نوّهت إلى استقلاليته كشخصية اعتبارية علمية، مكلفة رسميًا من الدولة بنشر علوم الدين والدعوة، وجعلته المرجعية الأساسية للدين واللغة العربية في مصر والعالم الإسلامي.
الأزهر والقوات المسلحة: شراكة في الذود عن الوطن ينظر إلى الأزهر والقوات المسلحة كجناحي قوة مصر: فكما أن الجيش هو الحصن والسيف، يقوم الأزهر بدور "الزرع الناعم" عبر نشر الاعتدال، وتسليح العقول ضد التعصب والفتن. وتوثق العديد من الوثائق والفعاليات التعاون البنّاء بين المؤسستين في بناء الوعي الوطني وتنمية روح الولاء والحفاظ على ثوابت الدولة المصرية.
الأزهر… حين تكلّم بلغة العلم في باريس
لم يكن في مصر في بدايات القرن التاسع عشر سوى منارة واحدة للعلم، هي الأزهر، منبع النور والمعرفة والشرارة الأولى لكل نهضةٍ مصرية حقيقية. وعندما أراد محمد علي باشا أن يُؤسس لدولة حديثة تنهض من كبوتها، لم يجد في أرض الكنانة من هو أحق وأقدر من طلاب الأزهر ليمثّلوا مصر في أول بعثة علمية إلى فرنسا.
لم يكن هناك غيرهم من يتعلم، فالعلم يومها لم يكن مبسوطًا في المعاهد ولا منتشراً في المدارس، بل كان حكرًا على الأزهر وأروقته، حيث تجتمع العقول والقلوب على حب المعرفة، وتُنحت العزائم على صخرة اللغة والفقه والتفسير والمنطق.
سافر أولئك الطلاب – وفي قلوبهم الأزهر – إلى فرنسا، حُفاة العقل في علوم الغرب، لكن أثرياء الروح بحب وطنهم، وحين عادوا… عادوا لا كما ذهبوا، بل عادوا يحملون مشاعل الحداثة، ومفاتيح الحضارة، وأحلام بناء وطنٍ جديد.
فعلى أيديهم، تأسست المدارس العلمية الحديثة:
• مدرسة الطب في أبي زعبل قبل أن تُنقل إلى قصر العيني
• و"المهندسخانة" (المدرسة الهندسية العليا)
• ومدرسة الألسن
• ودار الترجمة
• ودوائر الطباعة والمعارف
• وحتى اللبنات الأولى للصحافة والإدارة الحديثة في مصر…
إن هذا ليس تاريخًا فحسب، بل هو قدر الأزهر في صناعة النهضة.
فكما قاد العقل العربي في قرون النور الأولى، عاد فقاد البدايات الحديثة لمصر، يوم لم تكن هناك مؤسسات حديثة ولا نخبة متعلمة إلا من رواق الأزهر الشريف.فالأزهر، بحق، هو الذاكرة الحية لمصر، وعقلها الجمعي، وضميرها العلمي والديني، وهو الذي اختلط فيه القديم بالجديد، والموروث بالمعاصر، دون أن يضيع الجوهر أو يتشوش النبع.
وها هو اليوم، لا يزال يبعث من رحمه طلابًا وعلماء، لا إلى باريس فقط، بل إلى كل بقعة في الأرض، يعلّمون، ويقودون، ويُضيئون العقول بما جمعوه من حكمة الشرق ونظام الغرب، بعقلٍ أزهريٍّ منفتح، يحمل الشريعة ولا يُغفل العلم، ويجلّ الوحي ولا يخاصم العقل.
تؤكد وثائق الأرشيف المصري – ومنها وثائق مجالس الأزهر وقوانينه الإصلاحية ومحاضر اجتماعات مشيخته ومراسلاته مع الدولة – على تعاظم دور الأزهر في مراحل تحولات مصر الحديثة، خاصة بعد ثورة 1952 ومواجهة التيارات المتطرفة ونشر "الفكر الإسلامي الوسطي" عبر البرامج التعليمية والبعثات الدولية والمعاهد الفقهية المنتشرة داخل وخارج البلاد.
يدعم هذا الرصيد الثري من الوثائق: - قوانين التعليم الأزهري منذ عصر إسماعيل وحتى الجمهورية الحديثة 1881-1961) - مخطوطات وبرامج إصلاح مشيخة الأزهر - مراسلات داعمة لدور الأزهر في الدبلوماسية الثقافية، لا سيما تجاه إفريقيا خلال القرن العشرين - وثائق تأكيد الاعتداد المصري بالأزهر في مواجهة التحديات الفكرية والسياسية).
الأزهر في العصر الحديث: مرجعية عالمية ونموذج للاعتدال ومكافحة التطرف، و يعد الأزهر رقماً صعباً في المعركة الفكرية ضد الغلو والتطرف، إذ يتصدى بقوة علمية وحوارية للفكر المنحرف، ويقدم خطابًا دينيًا وسطيًا معتدلاً يتسع لروح العصر. و يشكّل الأزهر منصة عالمية للحوار البنّاء بين الأديان والثقافات، عبر مؤتمراته ومبادراته المستمرة، فيؤدي رسالة التعايش والسلم الأهلي المحلي والعالمي وقد حافظ الأزهر على الدور الأساسي في حماية الشخصية والهوية المصرية، وحمل لواء تمثيل الإسلام المعتدل، وصونه من أي تشويه أو اختطاف فكري
ليس الأزهر الشريف مجرد مؤسسة علمية دينية، بل هو نَفَسٌ حضاري عميق، يتردد منذ أكثر من ألف عام، يحمل في طياته ملامح الروح المصرية، ويجسد الفلسفة الإسلامية في أبهى صورها: فكرًا معتدلاً، قلبًا محبًّا، عقلًا حكيمًا، وحضورًا إنسانيًّا عابرًا للحدود.
فمؤسسات الازهر هي نسيج متكامل من المؤسسات التي تخدم العقل والوجدان. ويتفرع من مشيخة الأزهر الشريف مؤسسات علمية وثقافية وروحية تمثل امتدادًا حيًّا لرسالته الكبرى لتشمل:
هيئة كبار العلماء: وهي العقل المرجعي الأعلى، وخزان الحكمة الأزهري، تجتمع فيه العقول التي نضجت فقهًا وفكرًا ليقدموا الاجتهاد الرشيد في النوازل الكبرى، فيكون للأمة مرجعية عليا تعبر عن الفهم المتوازن للدين.
المجلس الأعلى للأزهر: وهو الجهاز السيادي الذي ينسق العمل بين مؤسسات الأزهر ويضمن وحدتها الفكرية والإدارية، محافظًا على الهوية المنهجية وعلى رسالته العالمية.
مجمع البحوث الإسلامية وهو العقل الفقهي والفكري العميق، يناقش القضايا المستجدة، ويرد على الشبهات، ويخاطب العالم بلغة العلم والمنطق، ويؤلف ويترجم وينشر المعرفة بلغة العصر.
الجامع الأزهر والرواق: الروح الأولى، والمنبر الأول، الذي خرّج الأجيال وعلّم العالم، وما زالت أروقته شاهدة على أعظم لحظات التعلم والخشوع والتأمل في حضرة الله والعلم.
جامعة الأزهر: جامعة تجمع بين علوم الوحي وعلوم الحياة، تصنع الطبيب الذي يحمل الرحمة، والمهندس الذي يعرف الحكمة، والشيخ الذي يفقه العصر، والعالم الذي لا يرى في العلم إلا عبادة ممتدة.
قطاع المعاهد الأزهرية: النبض التربوي المتجدد، الذي يرعى الأجيال منذ نعومة أظفارهم، وينقش على صفحاتهم الأولى قيم الرحمة والتسامح والهوية المصرية والإسلامية.
بيت الزكاة والصدقات المصري: ذراع الرحمة الاجتماعي، الذي يجسد فكرة "الدين حياة"، ويحول التكافل من شعار إلى سلوك، ومن فريضة إلى مشروع وطني.
قطاع مدن البعوث الإسلامية: الملتقى الأممي الذي يحتضن آلاف الطلاب من أكثر من 100 دولة، ليعودوا دعاة سلام وعلم، وسفراء للمحبة باسم الأزهر في بلادهم.
مكتبة الأزهر: كنز التراث والذاكرة الإسلامية، تضم المخطوطات النفيسة التي لا تقدر بثمن، وتجعل من الأزهر بوابة العلم لمن يريد أن يرتوي من منابعه الصافية.
مرصد الأزهر لمكافحة التطرف: العين الساهرة على الفكر العالمي، التي تراقب وترد وتصحح وتبني، تقدم بلغة متعددة خطابًا إنسانيًا متزنًا يحمي العقول قبل أن تُختطف.
أكاديمية الأزهر العالمية لتدريب الأئمة والوعاظ: منصة لإعداد الدعاة العالميين، الذين يفهمون لغات الشعوب قبل لغات النصوص، ويحملون الإسلام في قلوبهم وملامحهم وأفعالهم.
مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية: نافذة العصر، تربط بين الناس وعلِمائهم، تقدم الفتوى بجمال الخطاب، ودقة الاجتهاد، وإنسانية المقصد.
جريدة صوت الأزهر والمجلات العلمية: لسان المؤسسة وروحها الإعلامية، ترصد، تحلل، تنشر التنوير، وتدافع عن قضايا الأمة بهدوء العارفين وبصيرة العلماء. خلافا لحوالي ٧٥ مجلة علمية محكمة تنشر من الازهر علوم الدين والدنيا! منابر علمية ثقافية جامعة، تجمع خيرة الأقلام والعلماء، ويقدم للباحثين والزمن فكرًا خالدًا نابضًا بالمعرفة والحوار.
🌍 مركز الأزهر للترجمة: يمثل جسر بين الحضارات، ينقل الإسلام للعالم بلغاته، ويُترجم العلوم الإسلامية والإنسانية إلى لغات البشر ليصل النور إلى كل قلب مفتوح.
مراكز تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، جسور من المحبة تربط العالم بالأمة العربية، ويمنح العالم مفتاح القرآن والثقافة الإسلامية.
رابطة خريجي الأزهر: صوت الذاكرة الحية ونبض الوفاء العالمي: حين يتخرج طالب من الأزهر، لا يغادره… بل يحمله في قلبه ولسانه وعقله، حيثما ارتحل وحيثما استقر.
ولأن أبناء الأزهر منتشرون في كل قارة، وفي كل مجال، وفي كل مستوى من مستويات التأثير، كانت الحاجة إلى كيان يجمعهم، ويحتفي بانتمائهم، ويعيد وصل ما تقطّع بفعل المسافات والسنين.
ومن هنا وُلدت رابطة خريجي الأزهر.
وهي ليست مجرد رابطة إدارية أو تجمع صوري، بل جسر من المحبة والمعرفة، يجمع القلوب قبل العقول، ويوحّد الطاقات لتظل رسالة الأزهر نابضة، وشهادته موقّعة في كل مكان.
تضم الرابطة وزراء، ورؤساء، وعلماء، ودعاة، وأساتذة جامعات، ومفكرين، وسفراء حضارة، لم ينسوا يومًا أنهم أبناء ذلك الصرح الذي علّمهم أن يكونوا أمناء على الإنسان قبل أن يكونوا أمناء على النص.
بيت العائلة المصرية، الذي يُعد أحد أرقى تعبيرات التعايش الإنساني، يربط المسلم والمسيحي بحبل من المودة والوطنية المشتركة.
علاقة الأزهر بالمسيحيين المصريين: وطن واحد بروحين
في كل لحظة توتر أو استهداف لهوية مصر الجامعة، كان الأزهر أول من يبادر بالتواصل مع شركاء الوطن من الأقباط، لا على سبيل المجاملة بل من منطلق الإيمان الصادق بأن الأمة لا تقوم إلا على التنوع والتراحم. ولهذا تأسس بيت العائلة المصرية، كمؤسسة راسخة تنقل للعالم أجمع صورة مصر: قوية بتنوعها، منيعة بوحدتها، رحيمة بأبنائها.
إن الأزهر – بكل مؤسساته وتاريخه وامتداداته – ليس بناءً حجريًا ولا نظامًا إداريًا فقط، بل هو ضميرٌ يقظٌ، وفكرٌ مستنيرٌ، وقلبٌ يحب الجميع. هو روح مصر التي تسكن التاريخ، وتسير مع الحاضر، وتتطلع إلى مستقبل فيه للعلم موضع، وللفكر قيمة، وللإنسان كرامة.
وإن من لم يُتح له الاطلاع على كنوز الأزهر المعرفية، التراثية والحديثة، فقد حُرم من باب واسع للحكمة والرحمة في هذا العالم.