ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

عندما كنا نسجل رسائلنا العلمية د، كان أهم ما يشغلنا ان نسأل الله أن يرزقنا بمشرف، هين لين، بشوش الوجه، مليح الكلم، يملؤك تفاؤلا، ويذهب عنك التشاؤم، يرغِّبُك ولا يرهبك، يكون صديقك وليس عدوك، يفهم نفسيتك فلا يرهقك، ويعرف كيف يأخذ منك ما لديك من علم لتنصفه في بحثك، يحترمك ولا يحتقرك، يعرف أنك لا تزال في بداية الطريق فلست كفؤا له، يدخل في حياتك غير متطفل بل ليعرف ما يمكن أن يساعدك به، ويدعمك حتى يفرغك لرسالة العلم.
ولا غرابة في كل ذلك، فأنا إن أنس لا أنسى يوما تضايقت فيه نفسي لأمور قاسية مرت بها، فغبت عن مشرفي عدة أسابيع فانتابه القلق،  فأرسل لي زميلا إلى البلد، وقال له : لا تعد إلا وهو معك مهما تكلفت، ثم أعطاه من المال ما يكفيني ويكفيه من أجرة السيارة.
كما لأ أنسى وأنا أطبع الرسالة،  وأرتب للأمور التي تطلبها، فإذا بمشرفي يعطيني مبلغا من المال يكفي كل ما تطلبه الرسالة من مصروفات وزيادة، وكنت في أمس الحاجة إلى تلك المساعدة، ولم ولن أنسها له- رحمة  الله عليه - وكثير ، كثير  من الخير وجدناه عند عدد من أساتذتنا، وعلى عكس من كل ذلك وجدناه عند بعضهم أسوأ الأسوأ، فكم من زملاء تركوا طلب العلم - وهم علماء - لأن الأستاذ هو الذي دائما يسأل، ولا يُسأل، والويل ثم الويل لو عارضه أحد بالحجة والدليل، وأنى له ذلك وأستاذه هو الذي  يحتكر الحجة والدليل.
والويل والثبور لك إن مررت أمام مكتبه ولم تكن تمشي على أطراف أصابعك، لأنك شوشرت عليه، لأنك أخذته من تفكيره الذي سيقدم من خلاله للإنسانية أعظم الاختراعات والابتكارات.
فإذا كنا ندعوا الله ونبتهل إليه بأن يرزقنا مشرفا - والمشرف من رزق الله للباحث- بهذه الصفات التي تم ذكرها.
فأنا اليوم- الأستاذ والمشرف- الذي أدعو الله أن يرزقني باحثا متواضعا، هادئا غير منفعل، يقدرني ويراعي ظروفي.
باحثا يبحث عني لا أنا الذي أبحث عنه، باحثا يسألني ويحرص على أن يفيد مني، لا باحثا لجوجا لحوحا يريد أن ينهي مهمته العلمية دون جهد، وأحيانا تراه قد غاب شهورا، ثم يأتيك ببحثه وقد انتهى منه، فتتصفحه فتجده هرجا في مرج، فإن أردت أن يعدل فيه بعض التعديلات، بدا على  ملامح وجهه تشنجانت الغضب، حتى لتظن أنك لو طلبت منه تعديلا مرة أخرى سوف يطرحك أرضا، ويلهبك ضربا، وإذا جاءك آخر برسالة ووجدت فيها علما لم تجد لذلك العلم أثرا على لسانه؛ لأنه أبكم عيي ، ولا تجده في عقله لأنه أحمق غبي، وإذا دار بخلدك أن تسأله:  أأنت الذي كتبت، أم كتب لك؟! خشيت على نفسك من السخرية والتحقير. ونظرات الازدراء
وأحيانا قد تصل السخافة، بل الوقاحة ببعضهم أن يطلب منك أن تساعده في الكتابة،ويشكو إليك سوء حاله ومآله، ويبدؤها بأن يطلب منك نماذج يسير عليها وهو يكتب، ثم يذهب ويعود ولم يكتب، فيستجديك أن تكتب له نماذج أخرى ليهتدي بها وما هو بمهتد.
ولما نيأس منه نستسلم له، وهو يعلم أننا في النهاية سنستسلم له، بل وسنسعى إلى مناقشته، لأن روتين الجامعة يمنعك من الاعتذار عن الإشراف إلا إذا ذهب عقلك، أو أشرفت على الموت.
وحتى تناقشه، وتحفظ وجهك مما يمكن أن يؤخذ على باحث أنت مشرفه - والمسؤولية مشتركة- فماذا أنت فاعل أيها المشرف حتى لا يهراق حياؤك أمام من حضر؟! ، عليك أن تبحث عن مناقشين من زملائك ممن تعودت أن تجاملهم ويجاملونك، والباحث- الباشا- لا علاقة له بكل ما يدور، فقد كتب الرسالة -وهم قليل -  أوكتبت له - وهم كثيرون .
وضمن المناقشة، واطمأن إلى التقدير .
وكل ذلك لأننا أصبحنا نستجدي رضا الباحثين، وصرنا ننافقهم حتى يرضوا عنا.
لقد صرنا، وصرنا،  وصرنا 
إلى أن يتوقف بنا السير عند أول منازل القبر
ولا حول ولا قوة إلا بالله.
لقد قُبِر العلم فوجب التكبير عليه أربعا.
فنحن اليوم - الأساتذة- صرنا نسأل الله أن يرزقنا بباحثين، يرفعون قدرنا، ويحرصون على الإفادة من علمنا، وأن يهبهم الحلم والعلم، والرضا بنا والصبر علينا.
اللهم إنه قد تغير الحال، وانقلبت الأحوال.
ولم يعد لنا ملجأ منك إلا إليك..

تم نسخ الرابط