ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

ها أنا أفتح صفحَتكِ من جديد... أتسللُ إليها كما يتسللُ الضوءُ في ‏عَتمة القلب، أتصفحها بين الحين والآخر، لا كفضولٍ عابر، بل كمن يبحث ‏عن نفسه بين السطور.‏

اليوم... قرأتُ ما كتبتِه في عيد ميلادِك. قرأتُه مرَّة... ثم عُدتُ إليه ‏مِرارًا، كأنَّ كل حرفٍ فيه كان ينطقني، ويبوح بما دفنته تحت جلدي.‏

عرفتُ على الفور... أدركتُ أنَّ تلك الحروف المطرزةِ بعطر الذكرى ولهفة ‏الغياب، كانت عنِّي.  أنا مَن تحدَّثتِ عنه، أنا مَن أخفى قلبه في جيب النسيان، ‏وظنَّ أنه ابتعدَ، فاجتذبهُ الحنينُ كما يشُدُّ الموجُ قاربٍا وحيدا إلى حضن ‏المرسَى.‏

 توقفتُ طويلًا عند الذكرى... هزَّتني كما تهز الريح بابًا مواربًا نسِيَ ‏صاحبه أن يُغلقه تمامًا. ‏

 تلك الليلة... نعم، لا زلتُ أذكرها بهمس تفاصيلها: ضحكتك ‏التي تعثرت بين الشفاه، نظرة الخجَل المكسورة بضوء عينيك، واهتزاز ‏الشال على كتفك حين داعبه النسيم كأنه يغازله. ‏ أتذكرين؟ حين انزاحَ الشالُ، كيف امتدت يدي إليه قبل أن يُفكر ‏عقلي؟ أعدتُه برفقٍ كما تُعاد الغيوم إلى سمائها. غِرتُ عليكِ كما يغار الليل على ‏نجمةٍ تأخرت في الرحيل... كنتِ لي، ولو للحظة، كل النساء... كل ‏الأكوان.‏

 وذاك الفستان... ما زال يسكن في ذاكرتي، أكثر مما يسكن خزانة ‏ملابسك. لم أرَكِ ترتدينه بعدها، لكنه يرتديني كلما هبَّت الذكرى، كأنكِ ‏حِكتِ لحظاتنا بخيطٍ من حنين ونسجته بين ضلوعي.‏

 كنتُ سعيدًا جدًا في تلك الليلة... وفي الوقت ذاته، كان قلبي ‏يتوجس كمن يضحك وهو يسمع وقع أقدام الرحيل. ‏

 كنتُ أرقُبكِ وكأنني أعلم أنَّ كل شيء ينتهي يكتمل نوره، وأنَّ ‏ذلك العشاء... كان الوليمة الأخيرة للقلوب.‏

 اليوم، حين قرأتُ كلماتك، استيقظ ما ظننتُه مات منذ أمد، شَعرتُ ‏أنَّ قلبي يركضُ نحوكِ عاريا من الزمن، أنَّ الحنينَ قد لبس ملامحك، ‏وصوتك، وعطرك. ‏

فأنا أيضًا أعترف... أنَّ حُبكِ ما زال يسكنني كوشم في موضع ‏القلب، لا يذروه الزمن ولا تمحوه المواسم. وأنَّ الذكرى بيننا لم تكن ذكرى ‏مرةً عابرة، بل جمرة دفينة، تحت رماد قرارٍ مُتعجل.‏

 عرفتُ الآن كيف ينبتُ الوردُ في قلبٍ تشقق من العطش، وكيف ‏يمكن لنظرةٍ واحدة أن تُعيد للأماكن دفئها القديم، وأنكِ… رغم الفِِراق، ما ‏زلتِ الأقرب إلى النبض، وما زلتُ أراكِ... في فستانٍ لم أعُد أراه، وفي نبضٍ لم ‏يعد يَعرف بعد سِواكِ.‏
(انخطافات وجدانية على تُخوم المعنى)

تم نسخ الرابط