ها أنا أفتح صفحَتكِ من جديد... أتسللُ إليها كما يتسللُ الضوءُ في عَتمة القلب، أتصفحها بين الحين والآخر، لا كفضولٍ عابر، بل كمن يبحث عن نفسه بين السطور.
اليوم... قرأتُ ما كتبتِه في عيد ميلادِك. قرأتُه مرَّة... ثم عُدتُ إليه مِرارًا، كأنَّ كل حرفٍ فيه كان ينطقني، ويبوح بما دفنته تحت جلدي.
عرفتُ على الفور... أدركتُ أنَّ تلك الحروف المطرزةِ بعطر الذكرى ولهفة الغياب، كانت عنِّي. أنا مَن تحدَّثتِ عنه، أنا مَن أخفى قلبه في جيب النسيان، وظنَّ أنه ابتعدَ، فاجتذبهُ الحنينُ كما يشُدُّ الموجُ قاربٍا وحيدا إلى حضن المرسَى.
توقفتُ طويلًا عند الذكرى... هزَّتني كما تهز الريح بابًا مواربًا نسِيَ صاحبه أن يُغلقه تمامًا.
تلك الليلة... نعم، لا زلتُ أذكرها بهمس تفاصيلها: ضحكتك التي تعثرت بين الشفاه، نظرة الخجَل المكسورة بضوء عينيك، واهتزاز الشال على كتفك حين داعبه النسيم كأنه يغازله. أتذكرين؟ حين انزاحَ الشالُ، كيف امتدت يدي إليه قبل أن يُفكر عقلي؟ أعدتُه برفقٍ كما تُعاد الغيوم إلى سمائها. غِرتُ عليكِ كما يغار الليل على نجمةٍ تأخرت في الرحيل... كنتِ لي، ولو للحظة، كل النساء... كل الأكوان.
وذاك الفستان... ما زال يسكن في ذاكرتي، أكثر مما يسكن خزانة ملابسك. لم أرَكِ ترتدينه بعدها، لكنه يرتديني كلما هبَّت الذكرى، كأنكِ حِكتِ لحظاتنا بخيطٍ من حنين ونسجته بين ضلوعي.
كنتُ سعيدًا جدًا في تلك الليلة... وفي الوقت ذاته، كان قلبي يتوجس كمن يضحك وهو يسمع وقع أقدام الرحيل.
كنتُ أرقُبكِ وكأنني أعلم أنَّ كل شيء ينتهي يكتمل نوره، وأنَّ ذلك العشاء... كان الوليمة الأخيرة للقلوب.
اليوم، حين قرأتُ كلماتك، استيقظ ما ظننتُه مات منذ أمد، شَعرتُ أنَّ قلبي يركضُ نحوكِ عاريا من الزمن، أنَّ الحنينَ قد لبس ملامحك، وصوتك، وعطرك.
فأنا أيضًا أعترف... أنَّ حُبكِ ما زال يسكنني كوشم في موضع القلب، لا يذروه الزمن ولا تمحوه المواسم. وأنَّ الذكرى بيننا لم تكن ذكرى مرةً عابرة، بل جمرة دفينة، تحت رماد قرارٍ مُتعجل.
عرفتُ الآن كيف ينبتُ الوردُ في قلبٍ تشقق من العطش، وكيف يمكن لنظرةٍ واحدة أن تُعيد للأماكن دفئها القديم، وأنكِ… رغم الفِِراق، ما زلتِ الأقرب إلى النبض، وما زلتُ أراكِ... في فستانٍ لم أعُد أراه، وفي نبضٍ لم يعد يَعرف بعد سِواكِ.
(انخطافات وجدانية على تُخوم المعنى)