ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

هل لا يزال الإنسان حرًّا في أن يفعل ما يشاء داخل جدران بيته أو في حفلة خاصة أو على شاطئ مغلق؟ هل يملك حرية مطلقة في ارتداء ما يشاء، أو الرقص كما يشاء، أو الاحتفال بالطريقة التي يختارها طالما أن ذلك يحدث بعيدًا عن أعين الناس؟ وإن كان الأمر كذلك... فماذا يحدث عندما يختار هذا الإنسان – بإرادته الكاملة – أن يُخرج تلك اللحظات الخاصة إلى العلن، أن يُصوّرها ويبثها وينشرها، ويجعل منها مادة للمشاهدة والتفاعل والتقليد؟ هل تظل الخصوصية قائمة؟ وهل يظل الفعل نفسه مشروعًا لأنه وقع في مكان خاص، رغم أنه عُرض لاحقًا على الملايين؟ بل هل يمكن أصلاً أن نتحدث اليوم عن "أماكن مغلقة" في عصر الهاتف المحمول والبث المباشر والتفاعل اللحظي؟

أسئلة ثقيلة، تطرق أبواب "الواقع" كل يوم، وتتسلل إلى تفاصيل حياتنا من خلال المقاطع القصيرة التي تُبث آناء الليل وأطراف النهار. مقاطع قد تبدو تافهة لأول وهلة، لكنها تحمل في طياتها تحديًا صريحًا لفكرة الحياء، ولشكل الأسرة، ولطبيعة الفضاء العام، ولحدود الحرية الفردية نفسها.

في السابق، كان المشرع المصري يغض الطرف – عرفًا لا نصًا – عن بعض الأفعال التي تُرتكب في أماكن مغلقة أو ذات طبيعة خاصة، كحفلات تقام في شقق خاصة أو استراحات أو حمامات سباحة تابعة لنوادٍ مغلقة أو شواطئ معينة. وكان يُنظر إلى تلك الأفعال بوصفها تدخل في نطاق الخصوصية، ما دامت لم تُعلن أو تُعرض على الجمهور. لكن اليوم، ومع التحول الكبير في أنماط التوثيق والنشر، فقد تغير الأمر تمامًا.

إن معيار الإباحة الذي كان يرتبط بالمكان قد سقط، لأن المكان نفسه لم يعد محجوبًا. ما كان يجري داخل صالة خاصة أو شقة مغلقة أو حمام سباحة داخلي لم يعد يظل هناك؛ بل يُصوَّر ويُنشر ويُوزَّع على نطاق واسع، فتتحول "الخصوصية" إلى مشهد عام، وتتحول الإباحة المكانية إلى تجريم عبر النشر العلني. إن الفعل لا يُدان فقط لأنه وقع، بل لأنه خرج إلى دائرة التأثير على الآخرين، وتجاوز حد الحريات الشخصية إلى الإضرار بالقيم العامة.

لنأخذ مثالًا بسيطًا: داخل صالات الجيم النسائية، من الطبيعي أن ترتدي النساء ملابس رياضية معينة تتناسب مع طبيعة التمارين، وهو أمر يدخل في نطاق المشروع تمامًا، إذا اقتصر على بيئة التمرين، والتزم بالضوابط الداخلية المعروفة. ولكن، إذا تم تصوير هذه التمارين، وإظهارها بشكل يظهر أجساد الفتيات بطريقة مثيرة، ثم جرى نشرها على المنصات العامة لتُعرض أمام الجميع – أطفالًا ومراهقين وشبابًا – فإن ذلك لا يمكن أن يدخل في دائرة الإباحة، بل يتحول إلى تحريض على الفسق والفجور ونشر لمواد من شأنها خدش الحياء العام.

الفارق هنا لا يكمن في طبيعة الفعل، بل في المسافة التي قطعها من الخاص إلى العام. وهذا هو التحدي القانوني والأخلاقي الذي نواجهه: نفس الفعل قد يكون مباحًا في لحظته، مجرَّمًا في نشره.

الأمر لا يتوقف عند صالات الجيم أو الشواطئ، بل يتجلى أكثر – وربما بشكل أكثر خطورة – في الحفلات العامة التي باتت تتحول إلى استعراضات مفتوحة للانفلات الأخلاقي تحت ستار الفن والترفيه. في إحدى حفلات الساحل الشمالي -الشرير- مؤخرًا، صعدت مجموعة من الفتيات إلى المسرح، وتفاعلن مع أحد الفنانين بطريقة تجاوزت حدود المقبول، وصلت إلى حد العناق والقبلات العلنية، أمام جمهور كبير من الشباب والمراهقين، وأمام كاميرات تصور وتنقل وتبث على الهواء، ليصبح المشهد في متناول كل من يملك هاتفًا أو حسابًا على مواقع التواصل.

هذا الفعل، في ذاته، قد يراه البعض "عفويًا" أو "لحظة ترفيه"، لكنه في حقيقته يُشكّل اعتداءً مباشرًا على قيم الحياء والاستقامة والذوق العام، بل ويُسوّق لأسلوب حياة لا يتماشى مع تركيبة المجتمع المصري وتقاليده. المشكلة لا تكمن فقط في ما حدث، بل في تعمد تحويله إلى مشهد متكرر ومُعاد ومشارك، وكأن ما جرى يمثل حالة طبيعية.

هكذا تترسخ ثقافة جديدة، لا تكتفي بكسر الضوابط، بل تُجاهر بكسرها، وتُشجع الآخرين – خاصة صغار السن – على التمرد على القيم، وتقبل الانحراف على أنه حرية.

لسنا هنا بصدد محاكمة الفن أو التعبير أو اللباس أو الأذواق، بل نطرح سؤالًا صادقًا: أين ينتهي حق الفرد في الخصوصية؟ وأين يبدأ حق المجتمع في الحماية من الفجور المعلن؟ أليس من حق المجتمع أن يصون أبناءه من مشاهد تحرض على السلوك الشاذ؟ أليس من واجب القانون أن يتدخل حين تتحول الحفلات إلى منابر لانتهاك الحياء؟ أليس من حق الأسرة أن تطالب بمناخ نظيف لأطفالها لا يُعبث فيه بمفاهيم الاحترام والحدود؟

نعم، لكل فرد حرية، لكن هذه الحرية تنتهي حين تبدأ حرية الآخرين في العيش في مجتمع متوازن لا تُفرض عليه مشاهد الفجور قسرًا. لقد سنّ المشرع المصري، منذ عقود، قوانين تحظر التحريض على الفسق والفجور، ونشر المواد الخادشة للحياء، والتعرض للأخلاق العامة، وكان ذلك قبل أن تولد وسائل التواصل من الأساس. أما اليوم، فقد أصبحت النصوص أكثر دقة ووضوحًا، لا سيما مع صدور قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، الذي نص في المادة 25 على تجريم "...كل من اعتدى على أي من المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري، أو انتهك حرمة الحياة الخاصة، أو أرسل بكثافة رسائل إلكترونية لأشخاص دون موافقتهم، أو نشر معلومات أو أخبارًا أو صورًا تنتهك الخصوصية.... "، وهي مادة تحمل دلالة واضحة على أن النشر الإلكتروني لم يعد سلوكًا محايدًا، بل سلوكًا مسؤولًا قانونًا وله تبعات جنائية.

فالنشر العلني لمواد خادشة أو مثيرة أو محرضة على الفسق، ولو جرى تصويرها في مكان خاص، يُعد فعلًا مجرَّمًا بنص القانون، إذا ترتب عليه مساس بالقيم المجتمعية أو تعرض للحياء العام أو أدى إلى نتائج ضارة تمس النظام العام أو السكينة العامة.

إننا لسنا أمام مجرد جدل أخلاقي أو اجتماعي، بل أمام واقع قانوني متغير يفرض علينا جميعًا مسؤولية مضاعفة. فالخصوصية لم تعد حجة بعد أن اختار أصحابها طواعية نشر تفاصيلها، والقانون لم يعد غافلًا عن هذا التحول. بل إن المشرع، عبر قانون مكافحة تقنية المعلومات، قد أقرّ بوضوح أن نشر ما يمس القيم الأسرية أو يخدش الحياء أو يحرّض على الفسق، ولو وقع في مكان مغلق، هو فعل مجرَّم متى خرج إلى العلن.

لم يعد الفعل في ذاته هو محل المساءلة فقط، بل وسيلة عرضه وتوقيت نشره وسياقه العام، ومدى تأثيره على المتلقين، خاصة في مجتمع شاب يسهل التأثير فيه.

لذا، فإن الدعوة اليوم ليست إلى فرض وصاية على الناس، ولا إلى كبت لحرياتهم، بل إلى ترشيد تلك الحريات بما لا يهدم أسس المجتمع. نحن بحاجة إلى خطاب قانوني وأخلاقي يحترم الخصوصية، لكنه لا يسمح بتحويلها إلى نافذة لبث مشاهد تُهدد التماسك الاجتماعي. وفي زمن العلانية الرقمية، كل شيء يُرى، وكل فعل مرشح للتحول إلى "رأي عام"، والفاصل الحقيقي بين الإباحة والتجريم أصبح يُرسم بالكاميرا، لا بجدران المكان. فليكن وعينا حارسًا على القانون، وليكن القانون حاميًا لحياء هذا المجتمع. والله من وراء القصد.

تم نسخ الرابط