ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

ليس المقصود من هذه الكلمات أبداً أن ترد الاعتبار إلى جمال عبد الناصر، فلم يدر بذهن كاتبها ذلك.
عبد الناصر له اعتباره في التاريخ كأحد أهم التجارب السياسية التي شهدها القرن العشرين ومازالت باقية حتى اليوم. 
انما المقصود برد الاعتبار هو أن نضع نقاط على حروف غابت عنها نقاطها فغاب عنها معناها و تلاشت بالطبع موضوعيتها. ومن سوء حظ جمال عبد الناصر أنه كان ضحية فصيلين من الناس:
الذين يهاجمون وجعلوا منه شيطاناً والذين يدافعون وجعلوا منه كهنوتاً.
كلا الفصيلين أضرا 
وشوها تجربة الرجل.

في مقال سابق قلت أن عبد الناصر ليس كهنوتاً يحمل من التقديس ما لا يمكن أن يوجه إليه نقد.
وأذكر أنني بحثت كثيراً في وقت مبكر عندما شغلني الوصول إلى حقيقة الفترة التي حكم فيها عبد الناصر مصر (وهى حقيقة نسبية بالطبع) عن مقال الأستاذ هيكل الذي كتبه في أربعينية عبد الناصر بعنوان: "عبد الناصر ليس أسطورة" وكلما تذكرت أن أعضاء من اللجنة المركزية بالاتحاد الاشتراكي طالبوا بأن يُقدم الأستاذ هيكل إلى المحاكمة الجنائية بتهمة الخيانة العظمى لمجرد أنه قال أن عبد الناصر تجربة حكم حقيقية يجب أن توضع موضع تأمل وتقدير واعتبار وليس أسطورة وهي قرينة الخرافة. كلما تذكرت ذلك علمت كيف أن التأييد الأعمى أشد فتكاً على الحاكم من الحرب المعلنة. 
نعود إلى ما بدءنا. لماذا رد اعتبار إلى عبد الناصر؟
رد الاعتبار هو نظام قانوني مقصود به معاونة المذنب الذي قضي عقوبته على التكيف مع المجتمع من جديد فيصدر القضاء له حكماً برد اعتباره بشروط معينة بطبيعة الحال.
فهل ينطبق على عبد الناصر ذلك الوصف حتى أنه يحتاج إلى رد اعتبار مثل هذا؟
نقول في ذلك:
ماذا تسمى أن يوصف تحرك الضباط الأحرار بالتمرد دون الثورة؟
ماذا تسمى عدم العودة إلى الثكنات الذي وصف بالطمع في الحكم؟
ماذا تسمى وصف قانون الإصلاح الزراعي بأنه تفتيت للملكية الزراعية؟
ماذا تسمى السعى إلى الحياد في مواجهة الغرب وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وهو مغامرة كبرى دعت إلى سحب تمويل بناء السد العالي باعتراف "دلاس" وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية في هذا الوقت؟
ماذا تسمى تأميم قانون السويس والزج بمصر إلى حرب لا طاقة لها في مواجهتها ثم بعد الهزيمه نعده نصراً مظفراً؟
ماذا تسمي القوانين الاشتراكية بما تضمنته من تأميم المنشآت ونزعها من ملاكها الحقيقيين؟
ماذا تسمى تقويض الحريات والاعتقالات وفرض الصوت الواحد الذي يعبر عن الحاكم  ثم ماذا تسمى ٥ يونيو ١٩٦٧ بما خلفته من كارثة باقية حتى اليوم؟
وأخيرا ماذا تسمى ماحدث مع القضاة فيما 
عرف بمذبحة القضاء!

هذه بعض الاتهامات التي توجه إلى جمال عبد الناصر. والحقيقة أريد أن أشدد على ما أشرت إليه مسبقاً بأن أكثر الذين أساؤوا إلى عبد الناصر هم الذين دافعوا عنه دفاعاً أعمى. من أجل ذلك سيكون الطرح هنا موضوعياً أحاول بقدر المستطاع أن أنحي عاطفتى نحو هذا الرجل الذي عرف قدر الطبقة الوسطى في بناء المجتمع وأنا من أبناء هذه الطبقة.

إن القارئ لفترة نصف قرن سبقت ٢٣ يوليو ١٩٥٢ سيعلم جيداً أن مصر بكل أطيافها كانت تبحث عن "مخلص" رأته في زعماء كثر وانتظرته من مواقف وأحداث كثيرة لكنه لم يأت. كان دائماً يقف عند منتصف الطريق ثم تتعثر خطاه ليبدأ غيره الطريق فلا يتعدى أيضاً نصف الطريق. كانت مصر تبحث عن الاستقلال التام. صحيح أنه لم يكن احتلالاً شاملاً بالمعنى الذي عرفه القانون الدولي بل هو فرض الحماية على مصر من قبل بريطانيا لكن هذا لا يمكن أن يعد مبرراً لقبوله. كانت مصر تخضع لطبقية رهيبة صورها دكتور طه حسين في قصة "المعذبون في الأرض" ولقى كل العنت من أجلها وتمت مصادرتها. وصورها خالد محمد خالد في كتابه" من هنا .. نبدأ" وحُوكم من أجلها وتمت مصادرتها إلى أن رفع القيد عنها قاض جليل فقرأنا هول ما حملته من طبقية. 
مائة شخص يمتلكون أكثر من نصف مساحة الأرض الزراعية ومثلهم يمتلكون كل رأس المال وأما الباقيين فكانوا خدم للإقطاع ورأس المال لا أكثر. كان تحرك الضباط له مائة مبرر وكان عدم العودة إلى الثكنات له مائة مبرر أخرى. العودة إلى الثكنات ليس فقط كان معناه العودة إلى  سيطرة الطبقية على هذا النحو المفزع بل معناه أيضاً أن فكرة الثورة أو التحرك باتت فكرة في حكم الخيال لأن حجم التنكيل الذي كنا سنراه بضباط يوليو كان سيذكرنا حتماً بما فعلته الثورة الفرنسية مع خصومها. 
قانون الاصلاح الزراعي لم يُفقر الملاك بقدر ما أحيا الفلاحين الذي ذاقوا كل مشاهد القهر تحت نير الاقطاع. إنه واحد من أعظم منجزات عبد الناصر —من وجهة نظري على الأقل– وليس من قبيل العدالة أو احترام الذات أن نحمل عبد الناصر مسئولية إسائة تطبيق قانون يحمل في طياته قيم العدل ببن الناس لأنه تحول إلى أداة انتقام من تاريخه بعد رحيله. 
ماذا كان من المتعين   على جمال عبد الناصر أن يصنعه بعدما هاتف " جون فوستر دالاس" وزير خارجية الولايات المتحدة وهو يقضي أجازته في جزيرته Duck Island 
التي يمتلكها بينما  الرئيس ايزنهاور الذي كان يقضي أجازته هو الآخر  يلعب الجولف. يقول الأستاذ هيكل في كتابه. "عقد نفسية تحكم الشرق الأوسط" أن جون فوستر دالاس وهو يتصفح الجرائد على قاربه يتجول  بجزيرته ساءه أن يرى صور ثلاث زعماء كانوا على التوالي هم: تيتو .. نهرو . 
. عبد الناصر.  ومزيل تحتها عبارة: زعماء دول عدم الانحياز.
فقال لمرافقيه فيما معناه: كيف يجرؤوا؟! .. عدم انحياز من مائتي سنة سيطرة غربية على تلك المنطقة كيف؟
ثم اتصل بالرئيس ايزنهاور في مكالمة هاتفية استغرقت عشر دقائق بحث معه خمس موضوعات من بينها سحب تمويل بناء السد العالى. يعلق الأستاذ هيكل بشأن مدة المكالمة بأن موضوع سحب تمويل السد وفقاً لها لم يستغرق أكثر من دقيقتين بقياس عدد الموضوعات التي طُرحت على مدة المكالمة.
ماذا كان يصنع قائد يحترم ذاته وكرامته وكرامة شعبه غير أن يؤمم القناة التي شقها المصريون بدمائهم وأرواحهم رداً على محادثة الدقيقتين من طرفين أحدهما كان يتنزه في جزيرته والآخر يلعب الجولف! 
انتقاد رد الفعل دون الانتباه إلى أثر الفعل ذاته هو ظلم متعمد للتاريخ قبل أن يكون لجمال عبد الناصر. 
العدالة الاجتماعية هى درة تاج الإصلاح إن جاز لنا التعبير. عدالة العلاج والتعليم والتوظف. عدالة إتاحة الفرص وتقلد المناصب لمن يستحقها من أفراد الطبقة الوسطى وما دونها دون أن تكون حكراً على "البشاوات وأولاد البشاوات" انظروا إلى نتاج الطبقات الوسطى في ذلك العصر كيف قدم لنا نوابغ في شتى مجالات الحياة.
لم يكن عبد الناصر يعاني من عقدة نفسية كما يقول أصحاب مدرسة الاختزال. بل كان يدرك معنى أن تظل العدالة الإجتماعية شعب كان الغالبية العظمى منه تعيش دون مستوى معيشة الإنسان.
كان ارتداء أفقر أنواع الأحذية رفاهية بالنسبة لهم. 
في العدوان الثلاثي أمر عبد الناصر بسحب قوات الجيش من سيناء حتى لا تقع فريسة في قبضة الانجليز والاسرائليين وقد وقع هو ذاته على قرار الانسحاب بعدما خشى عبد الحكيم عامر أن يتحمل ذلك وكان قراراً في منتهى العقلانية على عكس صفة التهور التي الصقها البعض بجمال عبد الناصر دون أن يكون لها أدنى سند تاريخي.
بعدما انتهت الحرب كان من الطبيعي أن تعاد القوات إلى أماكنها كبديهية تمليها دواعي الأمن القومي ومن بينها مضيق تيران. 
إغلاق مضيق تيران وطلب سحب قوات الطوارئ الدولية حفاظاً على السيادة المصرية اعتبرته إسرائيل اعلان حرب. هكذا قال بيجبن للرئيس السادات في أولى جلسة المباحثات بالإسماعيلية وهو كلام أقل ما يمكن يتصف به أنه وقح.
لم يكن اعلان حرب. كان اعلان سيادة ومن قبله اعلانه كرامة. 
التحرك ليلة ٢٣ يوليو كان له مايبرره. تأميم قناة السويس كان له ما يبرره. قانون الاصلاح الزراعي والقوانين الاشتراكية كان لها ما يبررها.
في المقابل:
لم تكن المعاملة القاسية مع الرئيس محمد نجيب لها ما يبررها ومن قبلها المعاملة الدامية لعمال شركة كفر الدوار.
ترسيخ سياسة الصوت الواحد لم يكن له ما يبرره. كانت تحمل في طياتها مفاسد كثيرة. ملف الحريات كان سيئاً ولم يكن له ما يبرره حتى ولو كان هو حماية الثورة. صراع السلطة الذي كان سبب رئيسي في كارثة ٥ يونية ١٩٦٧ كانت أكثر خطايا عبد الناصر. التدخل في شئون القضاء انتهاءاً بمذبحة القضاء لم يكن له ما يبرره.
في النهاية عبد الناصر تجربة حكم فريدة استطاع أن يعبر عن عصره ثم يخطو بتجربته إلى المستقبل وكان دائماً ما يتوج صفحته المجيدة أنه كان عدواً لقوى الشر التي تتحكم في العالم اليوم وتصنع كل يوم مأساة بأرض فلسطين العربية. لقد أدرك جمال عبد الناصر أنه صفحة في مجرى التاريخ ولم يخل نفسه ملكاً أو ملهماً أو أسطورة. ولكنه أدرك أنه مجرد بشر كما خاطبه هيكل وهو ينظر من شرفة قصر الضيافة في دمشق بينما هدير الملايين به لا يهدأ: "تذكر  أنك بشر"
كان عبد الناصر يدرك تلك الحقيقة. بينما انقسم الناس حوله.
فصيل يراه شيطان وآخر يراه كهنوت.
ولم يكن هو هذا أو ذاك.

 كان يدرك أنه بشر.

جمال عبد الناصر 
جمال عبد الناصر 
تم نسخ الرابط