ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

في زمن كثرت فيه الخصومات وتعقّدت سُبل الوصول إلى الحق، برزت ظاهرة مؤلمة في ساحات المحاكم، وهي "اللَّدَد في الخصومة" ذلك العناد المتعمد، والجدال المفرط، والتمسك بالمواقف حتى وإن ظهر بطلانها. إنها ظاهرة لا تُرهق فقط أطراف النزاع، بل تُثقِل ميزان العدالة، وتُنهك القاضي، وتُعطل مصالح الناس، بل وتُشوّه وجه النظام القضائي في عيون العامة.

        إن من المؤسف أن كثيرًا من المتقاضين يُقبلون على أبواب القضاء وهم يعلمون تمامًا ما لهم وما عليهم، لكنهم يُغلِّبون هوى النفس على صوت الضمير. يسعَون لا لاسترداد حق ضائع، بل لإرهاق الخَصم، أو نَيل ما لا يستحقونه، أو تسويف الإجراءات في محاولة للضغط النفسي والمالي. ومن يفعل ذلك لا يدرك أنه لا يؤخر فقط صدور الحكم، بل يؤخر العدالة في مفهومها الأوسع، ويُضيِّع وقتًا يمكن أن يُمنَح لقضايا أخرى أكثر إلحاحًا وعدالة.

        من الناحية الإنسانية، فإن هذا السلوك يعكس ضعفًا في الشعور بالمسؤولية المجتمعية. فالمحاكم ليست ساحة لتصفية الحسابات، ولا القضاة خُصومًا يُقاتَلون، بل هم أُمناء على الحق، يبحثون عنه وسط الضجيج. أن تُحمِّل القاضي فوق طاقته بكمٍّ هائل من المرافعات الشكلية والمماطلات، هو انتزاع لوقته وجهده من قضايا تستحقه. بل وقد تتأخر قضايا حيوية كالنفقة، أو حضانة الأطفال، أو مظالم العمال، لأنّ الوقت مستنزف في دعاوى عبثية يغذِّيها الَّلدَد، لا البحث عن الحق.

       أما دينيًا، فإن الإسلام نهى عن اللدد في الخصومة، وذمَّ من يتَّخذ الجدل وسيلة للباطل. يقول النبي ﷺ:
"إن أبغض الرجال إلى الله الألدّ الخصِم" "رواه البخاري ومسلم".

       وهذا الحديث ليس فقط زجرًا، بل تنبيه بأن الخصومة الظالمة بابٌ للضلال، لا للحق، وبأن التقاضي أمانة يجب أن يُراعى فيها الصدق والنية السليمة، لا المكيدة والتلاعب. بل إن الشريعة قدّمت مبدأ الإقرار بالحق والصلح على المجادلة الطويلة، لأنّ ذلك أنقى للنفوس وأقرب للعدل.

        أما أخلاقيًا، فإن في طول الخصومة ظلمًا للطرفين، حتى لمن يظن نفسه غالبًا. فالمرافعة التي تمتد شهورًا وسنوات تُتعب النفس، وتنهك الجسد، وتُولّد أحقادًا يصعب زوالها. وقد يَكسب الخَصم الحكم، لكن يخسر راحته، ويُفسد علاقته، ويُسيء إلى سمعة القضاء الذي لم يكن هو السبب الحقيقي في التأخر، بل كان ضحية لمخاصمة لا ضمير فيها.

        ويغفل البعض أن القضاء ليس سحرًا، بل هو منظومة بشرية، لها حدودها وطاقتها. وعندما تُكدَّس المحاكم بالملفات، ويُطلب من القاضي أن يفصل بين عشرات القضايا المتشابكة، في ظل تكرار الطلبات الشكلية والإجراءات التعطيلية، فلا بد أن يتأخر الحكم، لا كإهمال، بل لأن الوقت نفسه لم يُعطِ للعدالة فرصة كي تتحرك.

        إن واجبنا - قانونيين، ومثقفين، ومواطنين - أن نعيد التذكير بأن العدالة لا تتحقق في القاعات فحسب، بل في القلوب أولًا. وأن أقصر الطرق إلى إنصاف النفس والغير، هو الصدق في القول، والإقرار بالحق، وتجنُّب إتعاب القاضي بما لا طائل منه. فالمرافعة النزيهة، وإن خسَر فيها الإنسان ماديًا، إلا أنه يربح فيها راحته، ورضا الله، وكرامته الأخلاقية.

        إن العدالة لا تقوم فقط على وجود القوانين واللوائح، بل على سلوك الناس داخل منظومة التقاضي. فحين يغيب الضمير، تفقد القوانين روحها، ويتحول القضاء من وسيلة لإنصاف المظلوم، إلى ساحة لإنهاك الجميع. لذلك، فإن الإصلاح يبدأ من الذات، ومن نية خالصة لإحقاق الحق، لا تحريفه.

        وفي الختام، فالعدالة لا تُولد إلا حين يمُوت العناد، وينبع الحق من الضمير، لا من مذكرات المرافعات.

تم نسخ الرابط