ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

لم تكن ساحات القضاء في مصر أواخر القرن الثامن عشر سوى مسرحٍ لإذلال الضعفاء. فتحت حكم المماليك، تشظت سلطة القضاء بين محاكم المذاهب الأربعة ومجالس "المحتسب" و"المظالم"، فتحولت العدالة إلى سلعةٍ يمتلكها الأقوياء. الفلاح الذي يجرؤ على المطالبة بحقه كان يخرج محطماً بعد أن تلتهمه نفقات الرشاوى وترهيبه عصا السلطة. ولم يغير العهد العثماني من هذه الحقيقة "المرّة"، فمع احتفاظ المحاكم الشرعية بمظاهرها، سيطر الوالي والانكشارية على خيوط القضاء الجنائي، تُحسم القضايا بأوامر عسكرية، ويُنفذ الحكم دون استدعاء شهود أو الاستماع إلى دفاع.

ثم جاءت محاكمة سليمان الحلبي عام 1800 لتكشف قسوة "عدالة" المحتل الفرنسي. ذلك الشاب السوري الذي اغتال الجنرال كليبر، حُوكم في يوم واحد أمام مجلس عسكري فرنسي دون محامٍ أو تحقيق، وأُعدم بالخازوق في مشهد وحشي دوّنه المؤرخون والضمير العام معًا.
 لم تكن تلك الصرخة الأخيرة لسليمان صوتًا فرديًا، بل كانت رجع صدى لصرخات كثيرين سحقهم الظلم بصمت، ومرت قضيتهم في ظلال الخوف والتواطؤ.

من بين هذا الركام، بدأ محمد علي باشا بناء دولة القانون الحديثة، لأغراضه "السياسية" قبل أن تكون للعدالة، فأبقى على المحاكم الشرعية في شؤون الأسرة، لكنه أنشأ منذ 1829 "مجالس قضائية أهلية" للفصل في الجنايات والمعاملات، ودوَّن أحكامها في سجلات رسمية بدلاً من الاكتفاء بالمشافهة. 
وقبل ذلك بعامين، أسس مدرسة الطب في "أبو زعبل" عام 1827 بقيادة الطبيب الفرنسي أنطوان كلوت بك، الذي قدّم التشريح الجنائي كأداة إثبات علمية لأول مرة في مصر. وقد ووجهت الفكرة برفض عنيف وصل إلى حد محاولة أحد طلاب الأزهر الاعتداء عليه، لكن هذه المحاولة لم تمنع ترسيخ التشريح كأداة علمية قادرة على زعزعة احتكار الشهادة الشفوية، وفتح الباب أمام عصر جديد من الإثبات الجنائي.

لكن التحول لم يكن محصورًا في قاعات المحاكم، بل بدأ في الشوارع والأزقة أيضًا. قبل القرن التاسع عشر، كانت الليالي المصرية ملكاً "للعسَّاسة"، وهم فرق مسلحة من الانكشارية تجوب الأحياء بعصيّ غليظة، تفتش البيوت، وتعتقل الأبرياء، وتنهب الممتلكات تحت غطاء "جمع الضرائب". 
وبعد مذبحة القلعة عام 1811، التي أطاح فيها محمد علي بجنرالات الانكشارية، شرع في تأسيس جهاز مركزي لحفظ النظام، يعتمد على فرق جديدة من "النظّار" ويستند إلى التجنيد الإجباري لتكوين قوة شرطية خاضعة مباشرة للدولة. ومن خلال تقسيم المدن إلى أقسام، وإخضاع السكان للرقابة، وإدخال نظم التدريب والزي الموحد، بدأت الشرطة تنفصل تدريجياً عن الجيش، وتكتسب طابعًا مدنيًا منظّمًا. 
هذا المسار رسّخه الخديوي إسماعيل لاحقًا بتأسيس "مصلحة الأمن العام" سنة 1870، حيث تم استبدال عصي العسس القديمة بعصا رسمية عرفت بـ"السنبوك"، في دلالة على التحول من الفوضى إلى التنظيم، ومن القوة العشوائية إلى سلطة الدولة.
 ومع الاحتلال البريطاني منذ عام 1882، أعيد تشكيل جهاز الشرطة ليصبح أداة للسيطرة، فغلب عليه الطابع السلطوي، وابتعد عن مهامه الأمنية في خدمة المجتمع.

ومع مرور السنوات، نضجت المؤسسات القضائية، فبعد مجالس الحقانية، أُصدرت "لائحة ترتيب المجالس الأهلية" عام 1868، لتضع أول محاولة منظمة لتحديد الإجراءات الجنائية والعقوبات بصورة مكتوبة.
 وفي العام ذاته، أُنشئت "مدرسة الحقوق" لتخريج جيل من القضاة والمحامين المتعلمين، بديلًا عن الضباط وموظفي الجباية الذين أداروا القضاء من قبل. ومع ازدياد عدد خريجيها، تغيرت ملامح قاعات العدالة، وأخذت تتجه نحو المفهوم المؤسسي الحديث للقانون.

لكن هذه الصورة المشرقة لم تنعكس بالضرورة على واقع القرى، حيث ظل الفلاحون يعانون تحت ثالوث الفقر والجهل القانوني وسلطة "العربان"، وهم الفرق القبلية التي استُخدمت لضبط الأمن في الريف، لكنها مارست أشكالًا من الابتزاز والاستغلال أقرب إلى إرث العسس منه إلى القانون. 
في قاعات المحاكم، ظل التاجر الصغير والحرفي البسيط فريسة سهلة أمام من يملكون النفوذ والمال، بينما نجا الأقوياء من المحاسبة على جرائم كبرى.

 كانت الدولة تَبني مؤسساتها وتكتب قوانينها، لكن العدالة بقيت بعيدة عن متناول من لا يملكون مفاتيحها.
 بقيت العدالة الحديثة "حبرًا على الورق" في كثير من الأحيان، بينما عاش الناس واقعًا مختلفًا تحكمه المعارف الشخصية والقوة الاجتماعية، لا نص القانون وحده.

وبحلول نهاية القرن التاسع عشر، كانت مصر قد وضعت حجر الأساس لدولة القانون، من تشريعات مكتوبة ومؤسسات متخصصة إلى كوادر قانونية مدربة. ومع ذلك، لم تتحرر المجالس القضائية من هيمنة الحكام، ولم تصل أجهزة الأمن إلى أعماق الريف، وظلت العدالة الاجتماعية "حلمًا مؤجلًا". 
تلك المعركة الطويلة لم تنتهِ، بل كانت في بداياتها فقط. فمن أول تقنين شامل وحديث للعقوبات عام 1904، إلى صراع المحاكم الأهلية مع المحاكم المختلطة، ومن معارك الاستقلال القضائي تحت الاحتلال البريطاني، إلى محاولات الجمع بين الأصالة والحداثة حتى منتصف القرن العشرين، تواصلت الرحلة بكل تناقضاتها. 
وما زالت فصولها قيد الكتابة... نكمل في المقال القادم. والله من وراء القصد.

راجع في ذلك: 

عبد الرحمن الجبرتي، عجائب الآثار في التراجم والأخبار، دار الكتب والوثائق القومية، منشور على شبكة الإنترنت، المجلد الثالث والرابع. د. خالد فهمي، كل رجال الباشا، والسعي للعدالة، والجسد والحداثة. منشور على شبكة الإنترنت. جمال بدوي، مصر من نافذة التاريخ، الطبعة الأولى، دار الشروق، 1994، منشور على شبكة الإنترنت.

تم نسخ الرابط