ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

كثير من الناس تسمع منهم اليوم هذه العبارة، حينما يحدثونك في شأن من شؤون الدين فيقولون لك: (فلان عالم)، ويتصورون أنهم بهذا قد قطعوا اليقين بحجية كل ما يُظهره ذلك العالم من أقوال وأفعال، والحق أننا في هذا الزمان لا نحتاج إلى العلم وحده لنبلغ رشدنا، وإلا فما أكثر العلماء والفاقهين والمفتين، ولكننا نحتاج أكثر إلى العالم العامل والمحدث الواعي، والرباني القدوة، الذي يحقق معالم القدوة الحسنة، ويعلم بأفعاله قبل أقواله، ويقود الناس في الإيمان والعمل ليحقق بهم كل صلاح وإصلاح.

ولا أعرف كيف يقتنع الناس بعالم لا رصيد له من العمل الذي يوافق علمه، وكيف له أن يُطالب الناس بما يدعوهم إليه، بل كيف له أن يُحافظ على الصورة المرجوة في أذهان الناس من هيبة العلماء واحترامهم.

إن صورة العَالِم عبر التاريخ الإسلامي، لم تكن صورة ذلك الشيخ الذي يجلس على المنبر يخطب في الناس أو يؤدي دروس العلم ويُفتي في الحلال والحرام، وإنما كان العلماء قديمًا قادة ورموزًا، لا يقلون عن الساسة والزعماء وهم يؤدون دورهم في حفظ الوطن والدفاع عن مصالح الناس، والوقوف في وجه كل عدوان وبغي ينال من سلامة الأمة وعزتها.

ومصر اليوم في حاجة لهذا الصِنف من العلماء البررة الذين لا يقفون عند حدود الغسل والطهارة، وإنما يتطلعون إلى معالم الفكر والوعي، ومحن الواقع، والإلمام بالثقافات والمذاهب والتيارات المختلفة، ويكون لهم دراية ومعرفة بما يحيط ببلادنا من مخاطر مخيفة، حتى يستطيعوا أن يؤدوا دورهم الوطني المنوط بهم.

إن العالم يملك سلطان المنبر والمنبر يملك قلوب الجماهير ووجدانهم، وإذا كان من يقف على المنبر غير مؤهل لمكانته، فإن الأمانة لن تتحقق غايتها المنشودة. 

إن العالم الذي يُفتي في أحكام الغسل والطهارة ويغرس في قلوب المستمعين أنوار الهداية، حفي به كذلك أن يُوجههم لما يحفظ عقولهم من الغي والانحراف والتطرف، ويوجههم إلى السبل التي يحمون بها بلادهم وأوطانهم، ويحفظونها من غوائل الفتن والمحن والعواصف التي تُفرق الشمل وتشق الصف وتُشعل فتيل الأزمات والاضطرابات. 

نحن نريد العالم الواعي الفاهم الفاقه الذي يعرف ماذا يقول؟ ومتى يقول؟ وأين وفي أي وقت يقول؟ بل يعرف قبل هذا كيف يجمع الناس ويؤلف بين القلوب ويلم الشمل ويوحد العواطف؟ إن أمة تواجه كوارث عاصفة وتعاني أخطارًا محدقة، وتُعارك مشكلات وجودية، لا يمكن أبدا أن تتحمل مزيدًا من الشقاق والافتراق، ومن المحزن أننا نرى اليوم بعضًا من العلماء والدعاة أو المحسوبين على النمط الديني، يصرون على تأجيج الخلافات والشقاقات، وإحياء الخصومات الفكرية النائمة، التي مر عليها شغبها أكثر من ألف عام، اليوم تَظهر خصومة معلنة تحت دعوى الأشعرية والسلفية والصوفية.. هؤلاء يؤولون وغيرهم مقلدون، ومن يؤول يخرج من التوحيد، ومن يرفض التأويل باق على التوحيد.. ما هذا العبث الجاري الذي لا هو وقته ولا زمانه؟ نحن نريد عقولا تُنير الطريق وتضيء السُبل وتدعوا إلى النهوض والتقدم والرقي، والخير والبر والإحسان، نريد عقولا تقف على المنابر لتهدي الناس إلى ما فيه نفع بلادها وخير مصرها، أما أن تقوم بتبديد الهمم ودحر الطاقات في هذا الهراء، فإنه لا يفيد ديننا ولا دنيانا في شيء.!

نحتاج من الأزهر ووزارة الأوقاف أن يكثفوا من الدعاية الفكرية للعلماء والأئمة والخطباء، ويبصرونهم بالأهداف العظمى للإسلام ليصوبوا أذهانهم على الركائز الكبرى التي تؤصل قيمه ووجوده في الحياة، لا يمكن لعالم أو داعية أن يقوم في الناس خطيبًا يؤجج نيران الخلافات العلمية، والتناحرات المذهبية، كيف يكون هذا فقيها أو داعية رشيدًا، وكيف يكون عقله ووعيه؟!

إن الوطن اليوم والإسلام اليوم يحتاج منا أن نقف جميعًا صفًا واحدًا، لندافع عن وجودنا وكياننا وهويتنا، ولن يتحقق هذا إلا على يد علماء ودعاة أجلاء واعون منصفون حكماء راشدون.

تم نسخ الرابط