ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

كنا قد ختمنا المقال الأول من هذه السلسلة عند اللحظة التي بدأ فيها ميزان العدالة الجنائية في مصر يتحرك ببطء، من كونه أداة قمع في يد المحتل، إلى كونه ميدانًا للشدّ والجذب بين سلطة الاحتلال والمجتمع المصري الباحث عن كرامة وعدالة لا تُشترى ولا تُفرض. كان القانون يُستخدم آنذاك كسلاح، لا كضمان، وكان القاضي أحيانًا واجهة للسلطة لا روحًا للعدالة، بينما كان المتهم -خصوصًا إذا كان من العامة- يدخل إلى قاعة المحكمة مسبوقًا "بذنبه" لا بقرينة براءته.

لكن رغم هذا الانغلاق، كانت ثمة تشققات في الجدار بدأت تتسلل منها نسائم التغيير. وحدث ما لم يكن في الحسبان: في قرية صغيرة تُدعى "دنشواي"، وعلى خلفية حادث عابر بين ضباط إنجليز وفلاحين مصريين، انفجرت واحدة من أكثر المحاكمات وحشية ورمزية في تاريخ الاحتلال.
 لم تكن المحاكمة سوى استعراض للقوة، ونقطة تحول في الوعي القانوني والوطني. الإعدامات السريعة، والجَلد، والنفي، لم تكن رسائل إلى الفلاحين فقط، بل إلى من يظن أن القانون يمكن أن يقف في وجه الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس.

من قلب هذه الفاجعة، بدأ سؤال العدالة يأخذ شكله الجديد: هل يمكن بناء قانون منصف تحت الاحتلال؟ هل يُمكن أن تتولّد قناعة شعبية بعدالة لا يملكها أصحاب الأرض؟ هذا التساؤل هو ما دفع النخبة القانونية المصرية إلى اتخاذ خطوات جادة نحو مأسسة الاستقلال القانوني ولو بوسائل سلمية، فجاء عام 1912 ليُسجّل ميلاد نقابة "المحامين" المصريين، لا كمجرّد كيان إداري، بل كصرخة وُلدت من رحم الظلم، وكبذرة لأمل في أن يُصبح الدفاع عن الحق مؤسسة، لا مجرد اجتهاد فردي.

نقابة المحامين منذ نشأتها لم تكن انعكاسًا لوضع قانوني قائم، بل كانت إعلانًا رمزيًا أن للعدالة صوتًا مصريًا لا يخضع لوكيل النيابة "البريطاني" ولا لإملاءات المندوب السامي. وكانت أولى معاركها الحقيقية هي انتزاع الاحترام لدور الدفاع، وتثبيت الحق في المحاكمة العادلة، وتدريب جيل جديد من المحامين على أن الكلمة قد تكون أقوى من "الهِراوَة" إذا استندت إلى القانون والضمير.

ولأن العدالة لا تُبنى بالكلمات وحدها، فقد شهدت مصر محاولات حثيثة لتحديث أدوات كشف الجريمة. وهنا لا بُد أن نذكر أن الطب الشرعي في مصر، قبل مطلع القرن العشرين، كان يعمل بمنهجية تقليدية يغلب عليها الطابع الروتيني، ويعتمد على المعاينة الظاهرية دون تحليل معمّق. لم يكن هناك جهاز مستقل أو أدوات دقيقة تسمح بالكشف العلمي للجريمة، وكانت التقارير الطبية -إن وُجدت- تعتمد غالبًا على تقديرات شخصية تخضع لتأثير المحققين أو السلطة. 
ومع انتقال مصر إلى مطلع القرن العشرين، بدأت الحاجة تزداد إلى تطوير منظومة الطب الشرعي بما يتناسب مع تعقيد الجرائم، وتزايد قضايا القتل والتسميم.

 وهنا، برز اسم الطبيب الأسكتلندي "سيدني سميث"، الذي جاء إلى مصر لا ليكون شاهدًا على عصر، بل ليكون فاعلًا في صياغة وجه جديد للعدالة الجنائية. تولّى إدارة مصلحة الطب الشرعي فحوّلها من إدارة بيروقراطية إلى مؤسسة علمية دقيقة. لم يكن سميث يخضع لرغبة المحقق ولا لسلطة الحاكم، بل كان يلتزم بالدليل، ويمنح لكل جثة صوتًا، ولكل أثر مادي معنى. وكان يؤمن أن العلم لا يُجامل، وأن القاضي الذي لا يسمع صوت المعمل يُصبح أعمى أمام الحقيقة.

وفي الوقت ذاته، لا يمكن فهم منظومة العدالة الجنائية في تلك الفترة دون التوقف عند الجهاز الأمني الاستعماري، الذي كان يتعامل مع الشرطة بوصفها ذراعًا سلطوية لا خدمية. كانت الشرطة تُستخدم لضبط الشارع لا لحماية المواطن، وكان مبدأ "الأمن قبل الحقوق" هو العنوان العريض لسياسات الاحتلال. وفي قلب هذه المنظومة، كان هناك رجل آخر يمسك بخيوط الأمن بيد حديدية ناعمة، هو توماس راسل، حكمدار القاهرة البريطاني، الذي ظل يُدير العاصمة من الظل منذ 1902 وحتى ما بعد الحرب العالمية الثانية. كان راسل رجل التفاصيل، يعرف وجوه المحامين، وأسماء الثوار، ويمسك بتقارير التحقيق كما يمسك بحركة الشارع. لم يكن خصمًا للعدالة في ظاهر أمره، لكنه كان يراها دومًا أداة لضمان السيطرة، لا وسيلة لتحرير المظلوم.

هكذا، تشكّلت ثلاث قوى متداخلة: نقابة محامين مصرية تحاول أن تُثبت شرعية الدفاع، ومؤسسة طبية شرعية تنشد الحقيقة، وجهاز أمني يرى أن الأمن يسبق كل شيء. وفي هذا المثلث، كانت العدالة تتأرجح، مرة تُمسك بخيط المحاماة، ومرة تتقوّى بالعلم، وأحيانًا كثيرة تنكسر أمام القبضة الأمنية.

وسط هذا الحراك، جاءت ثورة 1919 لا باعتبارها صرخة سياسية فحسب، بل بوصفها تمردًا أخلاقيًا على منظومة قانونية غير عادلة، وثورة على العدالة التي فقدت حيادها واستقلالها. خرج الناس يهتفون ليس فقط من أجل الوطن، بل من أجل قاضٍ لا يأتمر، ومتهم يُعامل بكرامة، ومحكمة تفتح أبوابها للعقل لا للسلطة. 
كانت الثورة هي التعبير الجماعي عن الرغبة في تحويل القانون من آلة قمع إلى درع حماية. 
بل كانت أيضًا صرخة وجودية في وجه من أراد طمس هوية البلاد ومحو معالم استقلالها القانوني والوطني. في تلك اللحظة التاريخية، بدأ سؤال جوهري يفرض نفسه على النخبة والجماهير معًا: ما هي مصر؟ وما معنى أن يكون لها قانون، وقضاء، وعدالة تنبع من ذاتها لا من سلطة مستعمِرة أو إرث عثماني غائم؟

والشيء بالشيء يُذكر، فقد جاء على لسان توفيق الحكيم في رائعته "مصر بين عهدين"، أنه: "عندما انتهت الحرب العالمية الأولى عام 1918، بهزيمة الدولة العثمانية، ولم يبقَ لها من وضع سياسي إلا الواقع وحده، وهو الاحتلال الإنجليزي، ذهب زعماء مصر سنة 1919 يسألون الإنجليز عن وضعهم، فسألهم الإنجليز عمّا يقصدون، فقالوا: زوال الاحتلال البريطاني. فلما سألهم الإنجليز: وبعد الاحتلال، هل تعودون إلى سيادة الدولة العثمانية المنهزمة؟ فقالوا: لا، بل تعود مصر إلى مصر. فدهش الإنجليز، وسألوا: وما هي مصر!؟ إننا لا نعرف شيئًا اسمه "مصر"، ولكن فقط مجرد قطر اسمه "القطر المصري"، كما هو موجود على الخرائط الرسمية، يتبع سياسيًا الدولة العثمانية، وحضاريًا "الحضارة العربية" حسب اللغة والدين.

أما مصر، فأين هي؟ وما هي مقوماتها؟ وما هي شخصيتها؟ وكانت الإجابة عسيرة، فعندئذ قام رجال الفكر، والفن، والاقتصاد يجيبون عن السؤال، ويبحثون عن مصر. قام طلعت حرب بإنشاء بنك باسم "مصر"، ونهض رجال الأدب والفن يصوّرون مصر، ويعبّرون عنها، كل ذلك ليجيبوا عن سؤال الإنجليز، ويقولوا لهم: ها هي ذي مصر التي نريد لها الاستقلال بأرضها".

ومع أن البلاد خطت خطوات كبيرة نحو التنظيم المؤسسي، إلا أن روح العدالة لم تكتمل بعد. 
كانت القوانين تُسنّ أحيانًا لتُفرغ من مضمونها لاحقًا، وكان الدفاع يُسمع دون أن يؤثر، وكان سيدني سميث يكتب في مذكراته أن بعض القضايا كان يمكن أن تُحسم بكلمة من الحاكم، لا بتحليل في المعمل.

لكن رغم كل ذلك، كانت العدالة تتعلم، وتُنضج أدواتها، وتخوض تجاربها، وتدفع ثمن إخفاقها. كانت تتشكل في العلن والسر، في المرافعة والتشريح، في الصراع بين القانون والسياسة، وبين الأمن والحقيقة. كانت تُبنى رويدًا، كما تُبنى الجسور فوق الماء المتحرك.

وما بين صوت المحامين الناهضين من رحم المعاناة، وصرخات المظلومين المتكررة من ساحات المحاكم، كانت البلاد تموج بأسئلة كبرى عن العدالة ومعناها وحدودها. هنا، يظهر وجه القضاء، لا كسلطة محايدة فحسب، بل كمرآة لواقع أكثر تعقيدًا. ففي تلك المرحلة المضطربة، كان القضاء المصري واقفًا كقلبٍ نابض تحت مطرقة الاحتلال وسندان القصر. كان القاضي يجلس على منصة الحكم مرتديًا عباءته الوطنية، لكن عباءته كانت ثقيلة بظلال المندوب السامي وتوجيهات القصر الملكي. لم يكن حُرًّا في إعمال ميزان العدالة كما يشاء، بل كان ميزانه نفسه مراقَبًا من أعلى. الاحتلال البريطاني، بحساباته الأمنية، كان يُمسك بخيوط التأثير الخفيّ، والقصر الملكي، بانشغاله بالولاء والخصومات، كان يلوّح بسيف العزل والنقل.

 

 فوجد القاضي نفسه ممزقًا بين إملاءات تُفرض عليه من خارج النص، وضمير قضائي يحاول أن يبقى حيًّا داخل النص. ورغم هذا الضغط الثنائي، لم يكن القضاء آلةً تُدار بالأوامر، بل بقيت فيه جيوب من مقاومة صامتة، حاول فيها بعض القضاة أن يُبقي على جذوة العدالة متقدة، ولو تحت الرماد.

وهكذا، من مذبحة دنشواي إلى تأسيس النقابة، ومن سيدني سميث إلى توماس راسل، ومن صرخات الفلاحين إلى دفاتر القضاة، ومن قاعات المحكمة إلى المشرحة، كانت العدالة الجنائية في مصر تمشي على حافة النار، تُجرّب وتتعثر، لكنها تتقدم.

وهكذا، مثّلت ثورة 1919 نقطة تحوّل في الوعي الوطني والقانوني، إذ لم تكن مجرد احتجاج على الاحتلال، بل تمردًا على منظومة عدالة بدت منزوعة الروح والهوية. 

وما إن خمدت أصوات المظاهرات، حتى بدأت مصر تكتب فصلًا جديدًا من تاريخها، حين أعلنت بريطانيا في عام 1922 إنهاء الحماية المفروضة على البلاد، إعلانًا شكليًا حمل في طيّاته استمرارًا لمظاهر الهيمنة، لكنه أتاح للمصريين أن يُطالبوا بدولة ذات سيادة ودستور.

وفي عام 1923، صدر أول دستور ليبرالي يُنظم السلطات ويفتح المجال أمام تجربة برلمانية وليدة، ويرسم ملامح قضاء يُفترض أن يكون مستقلًا. لكن العدالة الجنائية لم تنجُ من التجاذبات، إذ ظلّت أسيرة صراع دائم بين تطلعات أمة تُعيد بناء مؤسساتها، وسلطة تنفيذية مترددة، واحتلال لا يزال حاضرًا في الزوايا الحرجة من الدولة.

عند هذا المنعطف، نقف ختامًا لهذا الجزء، لنواصل في المقال القادم تتبع خطى العدالة الجنائية في ظل دستور 1923، مرورًا بالاضطرابات السياسية، ومحاكمات الرأي، والأحكام الاستثنائية، وصولًا إلى مشارف 1952، حين بدا أن مصر، بعد ثلاثين عامًا من التجربة الدستورية، لا تزال تبحث عن عدالة تنبع من إرادة حرة، لا من إرث مستورد أو سلطة فوق النص.

 والله من وراء القصد.

راجع في ذلك: مذكرات طبيب تشريح بريطاني في مصر الملكية، قارئ الجثث، سيدني سميث، ترجمة مصطفى عبيد، الدار المصرية اللبنانية.

 حكمدار القاهرة، توماس راسل، ترجمة مصطفى عبيد، الرواق للنشر والتوزيع. د. يونان لبيب رزق، تاريخ مصر بين الفكر والسياسة، دار الكتب والوثائق القومية، 2009. د. يونان لبيب رزق، فؤاد الأول المعلوم والمجهول، دار الشروق، 2008. توفيق الحكيم، مصر بين عهدين، دار مصر للطباعة، القاهرة، 1983.

تم نسخ الرابط