لم تكن ثورة 1919 مجرد انتفاضة ضد الاحتلال، بل كانت أيضًا ثورة على الخنوع القانوني، وعلى جهاز عدالة لم يكن يعبر عن شعب بقدر ما كان يحمي نظامًا مزدوج الولاء. ومع تصاعد الضغط الشعبي، ومحاصرة الاحتلال سياسيًا وإعلاميًا، لم يجد الإنجليز بُدًا من تقديم تنازل ظاهري ببيان 28 فبراير 1922، الذي أُعلن فيه انتهاء الحماية البريطانية على مصر، والاعتراف بها دولة مستقلة ذات سيادة "اسمًا"، بينما استثنيت أربعة ملفات بقيت بيد الإنجليز: الدفاع، والسياسة الخارجية، وحماية الأقليات، والسودان. كان ذلك بمثابة استقلال ناقص، لكنه فتح الباب لتحولات مؤسسية ذات طابع رمزي عميق.
وبموجب هذا البيان، تحول لقب السلطان فؤاد إلى "الملك فؤاد الأول"، لتُؤسس بذلك المملكة المصرية الحديثة، ويُعلن رسميًا قيام نظام ملكي دستوري على النموذج الأوروبي. ولم يكن التغيير شكليًا فقط، بل تبعه حراك سياسي كثيف لكتابة دستور جديد، يشكل إطارًا للحكم في دولة تُعلن ولاءها للحداثة، وتطلب الشرعية من القانون لا من الاحتلال. وفي هذا السياق، ظهر دستور 1923 بعد مخاض عسير، أعدته لجنة ضمت قضاة ومحامين ورجال سياسة، وكان من أبرز من ساهموا في بلورته عبد العزيز فهمي، وسعد زغلول، وغيرهم من رموز الحركة الوطنية.
دستور 1923 كان وثيقة قانونية محورية، أعلن الفصل بين السلطات، وأقر الحريات العامة، وكفل سيادة القانون، وأنشأ برلمانًا من مجلسين (النواب والشيوخ)، ومنح القضاء استقلالًا نسبيًا. لكن تقسيم "تاتشين" البريطاني، وهو التقسيم الذي قُدِّم لاحقًا في تقارير الحماية البريطانية، أظهر بوضوح أن هذا الدستور يُسمح به فقط طالما ظل لا يُهدد المصالح الإنجليزية ولا يقيد سلطات القصر. فقد فُصِّل بطريقة تجعل الملك يحتفظ بسلطات واسعة، منها حل البرلمان، وتعيين رؤساء الوزارات، والإشراف على الجيش، وهو ما جعل النصوص في واد، والواقع في واد آخر.
أما الامتيازات الأجنبية، والتي كانت بموجبها رعايا الدول الأوروبية لا يُحاكمون أمام القضاء المصري، فقد بدأ تفكيكها ببطء في نفس المرحلة، لكنها ظلت قائمة فعليًا حتى معاهدة مونترو عام 1936. ومع ذلك، كانت الإرادة الوطنية تتصاعد، والمحامون والقضاة المصريون يفرضون أنفسهم في المشهد العام، رافضين أن يكون القانون مجرد أداة للهيمنة أو الزينة.
لقد كان تأسيس نقابة المحامين عام 1912 سابقًا لهذه التحولات، لكنه وجد في دستور 1923 فرصة للتمدد والتأثير. كانت النقابة آنذاك أكثر من مجرد كيان مهني؛ كانت برلمانًا للمستقلين، ومنصة للمعارضة القانونية، ودرعًا للعدالة حين تُهدد من القصر أو من الاحتلال أو حتى من بعض الحكومات الخاضعة.
وسط هذه التغيرات، جاءت محكمة النقض عام 1931 كتتويج قانوني عظيم لفكرة مراجعة العدالة ذاتها. لقد تأسست المحكمة لتكون رأس الهرم القضائي، تحرس القوانين من التأويل المنحرف، وتؤسس لقضاء موحد متماسك. ومنذ نشأتها، فرضت المحكمة منهجًا يوازن بين النص والعدالة، ويُعيد للدستور روحه حين تُهدر من قبل السلطة التنفيذية أو السياسية.
وفي خضم هذه التحولات التي سبقت لحظة الانفجار الكبير في يناير 1952، كانت مصر قد وضعت بالفعل اثنين من أهم الأعمدة القانونية التي ستظل قائمة لعقود: قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937، وقانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950. ورغم أن كليهما صدر في عهد الملك فاروق، وقبل إعلان الجمهورية، فإن تأثيرهما تجاوز كل الأنظمة التي تعاقبت، ليصبحا حتى اليوم - رغم ما طرأ عليهما من تعديلات- الركيزتين الأساسيتين لمنظومة العدالة الجنائية في مصر.
جاء قانون العقوبات عام 1937 ليضع حدًا لحالة التعدد والارتباك التي كانت تعاني منها النصوص العقابية، ويؤسس لقانون موحد مستوحى في كثير من أحكامه من القانون الفرنسي، لكنه كان مصريًّا في صياغته ومضمونه. أما قانون الإجراءات الجنائية، فقد صدر في عام 1950، في لحظة دقيقة كانت الدولة تحاول فيها إظهار التزامها بالشكل القانوني حتى في ظل التناقضات السياسية التي كانت تملأ المشهد. هذا القانون نظم بدقة مراحل الدعوى الجنائية، وأعطى بعض الضمانات الإجرائية المهمة للمتهم، وإن ظل تطبيقه دومًا مرهونًا بمدى استقلال القضاء وسلطة النيابة العامة في لحظات الشد والجذب السياسي.
المفارقة أن هذين القانونين- اللذين وُقّعا في عهد الملك فاروق، قبل أن تطيح الثورة بالنظام الملكي كله -بقيا ساريين حتى اليوم، وكأن الثورة غيّرت "رأس الدولة"، لكنها أبقت على"الجسد" التشريعي القديم. وهو ما يطرح سؤالًا مستمرًا حول جدوى الإصلاح القانوني بدون إصلاح شامل لمنظومة العدالة برمّتها.
غير أن المعاهدة لم تمنع مصر من الدخول في حالة طوارئ فعلية مع اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939. فرضت الأحكام العرفية من قبل القصر بالتنسيق مع الاحتلال، وجرى توسيع صلاحيات البوليس السياسي، وتقييد الصحافة، واعتُقل العشرات من رموز العمل الوطني تحت ذريعة الأمن القومي. خلال هذه السنوات (1939–1945)، انحسر دور القضاء الطبيعي، وبرزت المحاكم العرفية باعتبارها أداة فوق دستورية لقمع المعارضة، لا لمواجهة الجريمة.
الحرب لم تكن مجرد أزمة دولية، بل كانت مناسبة لإعادة ترسيخ السيطرة البريطانية على مفاصل الدولة، تحت غطاء الدعم اللوجستي لجيوش الحلفاء. خضعت الموانئ والمطارات والمرافق الحيوية لإدارة بريطانية شبه كاملة، وازدادت معاناة المصريين من التضخم، والبطالة، وشحّ المواد الغذائية، بينما قُيدت الحريات العامة بقوانين استثنائية.
مع نهاية الحرب، انفجر الغضب الشعبي المكبوت، وبدأت مرحلة جديدة من الصدام بين الحركة الوطنية والسلطة، بلغت ذروتها في العام 1946، عندما شهدت مصر إحدى أبرز موجات الغليان السياسي والقانوني، تمثلت في أحداث كوبر عباس الشهيرة، حين قمعت قوات الأمن تظاهرات طلابية كانت تطالب بالجلاء، وسقط خلالها قتلى وجرحى داخل السجون. أعقب ذلك محاكمات واسعة طالت نشطاء وطلبة، وسط ضغط شعبي ونقابي وإعلامي غير مسبوق. في هذه اللحظة، لعب المحامون المصريون دورًا بطوليًا في الدفاع عن المتهمين، وتحولت قاعات المحاكم إلى ساحات نضال سياسي، لا مجرد فضاءات للفصل القضائي. فمحاكمات 1946 لم تكن مجرد قضايا جنائية، بل جسدت صراعًا دستوريًا خفيًا حول معنى الاستقلال، وحدود السلطة، وشرعية القوانين الاستثنائية.
كل هذه التراكمات: الأحكام العرفية، المحاكمات، معاهدة 1936، ومأساة كوبر عباس، تضافرت لتؤدي إلى انكشاف عجز النظام السياسي بأسره، وتعرية السلطة الملكية التي بدا أنها لم تعد قادرة على إدارة البلاد ولا السيطرة على الشارع.
وفي خضم هذا المشهد المتأزم، جاءت صدمة الهزيمة في حرب فلسطين عام 1948 لتزيد من احتقان الشارع، وتفتح جراحًا جديدة في جسد الدولة، لم يكن القضاء بمنأى عنها. فبعد أن أُرسل الجيش المصري للدفاع عن فلسطين، عاد مهزومًا في معركة رأى فيها الشعب نموذجًا لانهيار القيادة، وفساد القرار، وسوء التسليح. لم يكن الأمر مجرد نكسة عسكرية، بل فضيحة سياسية وقانونية، ظهرت ملامحها في قضايا تهريب السلاح، والاتهامات المتبادلة بين كبار المسؤولين، دون محاسبة حقيقية. وقد أسهم هذا الحدث في تقويض ما تبقى من هيبة النظام الملكي، وأجج الدعوات إلى إصلاح شامل يتجاوز العرش ويصل إلى أعماق بنية الدولة، بما فيها جهاز العدالة ذاته.
وفي صباح 25 يناير 1952، حاصرت قوات الاحتلال البريطاني مبنى محافظة الإسماعيلية، وطالبت القوة المصرية فيه بتسليم السلاح ومغادرة الموقع. رفض الضباط، وقاوموا رغم قلة العدد وضعف العتاد. اشتبك الطرفان لساعات، وسقط أكثر من خمسين شهيدًا من رجال الشرطة.
لم تكن الواقعة مجرد مواجهة عسكرية، بل لحظة كاشفة عن حدود الكرامة والسيادة. وفي اليوم التالي مباشرة، احترقت القاهرة في مشهد رمزي، بدا فيه وكأن النيران تُكمل ما بدأه الدم، وترسم النهاية المحتومة لعهد لم يعد قادرًا على الصمود. حريق القاهرة في 26 يناير 1952، لم يُحرق فقط معالم المدينة، بل أحرق ما تبقى من شرعية النظام الملكي، وفضح هشاشة السلطة، وعجزها الكامل عن تأمين الناس أو كشف الجناة. وبين دخان الحرائق، وسطور الصحف المتألمة، ومرافعات المحامين الباحثين عن العدالة، بدأ الوعي الوطني يتهيأ لثورة أخرى، لا تُطالب فقط بجلاء محتل، بل بتأسيس جمهورية يكون فيها العدل أساس الملك.
وهكذا، ننتقل من مشهد القاهرة المحترقة إلى صدى البيان الأول في يوليو 1952، ونصل إلى لحظة الانفجار، حيث لم تعد أدوات النظام القديم قادرة على احتواء الغضب، ولا المراسيم قادرة على تغطية الجراح. انقضت حقبة، وبدأت أخرى. سقط التاج، وارتفع شعار "باسم الشعب". تبدّل العَلَم كما تبدّل الحاكم، وكتبنا اسم الوطن من جديد... لكن، هل كان ذلك كافيًا؟ هل يكفي تغيير الشعار لإقامة العدالة؟ هل مجرد استبدال "صاحب الجلالة" بـ"رئيس الجمهورية" يعني أن الموازين قد استقامت؟ وهل استطاعت الدولة الجديدة أن تفصل نفسها عن تركة النظام السابق، أم أنها حملت إرثه في صمت، وغيرت الشكل وأبقت الجوهر؟ لقد وُلدت الجمهورية في ظل الأمل، لكن سرعان ما اصطدمت بالحاجة إلى مؤسسات مستقلة، وقضاء لا يخضع إلا للقانون، وشرطة تكون في خدمة الشعب لا الحاكم، وقوانين تُكتب بلغة الإنسان لا بلغة السلطة.
ومع كل عقد جديد، ظلت تلك الأسئلة تؤرق الضمير الوطني: هل تحقق الاستقلال التشريعي الحقيقي؟هل أصبح المتهم بريئًا حتى تثبت إدانته، لا العكس؟ هل نُحاكم الجرائم بالعدل لا بالهوى؟ هل صرنا نملك نظامًا جنائيًا يردع الجريمة ويصون الكرامة؟ هل تحررت العدالة من ثقل السياسة؟ وهل صار "العدل أساس المُلك"... حتى في غياب المَلك؟ إن انتقال الحكم من الملك إلى الشعب لا يُقاس فقط بتغير الألقاب أو الأعلام، بل بتحقق المساواة أمام القانون. فهل نجحنا في هذا الامتحان الصعب؟ أم لا تزال العدالة تنتظر لحظتها الكاملة؟! إلى هنا تنتهي هذه السلسلة من مقالات "تاريخ العدالة الجنائية في مصر"...ربما أعود إليها يومًا ما من هذه النقطة، لأكمل التأمل في مسيرة العدالة الجنائية. والله من وراء القصد.
راجع في ذلك: د. يونان لبيب رزق، تاريخ مصر بين الفكر والسياسة، دار الكتب والوثائق القومية، 2009. د. خالد فهمي، كل رجال الباشا، الطبعة الأولى، دار الشروق، 2001. طارق البشري، الحركة السياسية في مصر، الطبعة الثانية، دار الشروق، 2002. مصطفى عبيد، ضد التاريخ، الدار المصرية اللبنانية، 2022. أحمد حمروش، ثورة 23 يوليو، الجزء الأول، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1992.