ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

تصاعدت في الآونة الاخيرة وتيرة الحملات الممنهجة ضد فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، في محاولة مكشوفة للنيل من مكانة هذه المؤسسة العريقة وتشويه رموزها، هذه الحملات التي تتوزع بين حملات إعلامية مشبوهة وهجمات من أطراف ذات مصالح متناقضة، تتجاوز شخص الإمام لتستهدف مؤسسة الأزهر بأكملها، بما تمثله من مرجعية دينية وسطية جامعة، تضطلع بدور رئيسي في حماية هوية الأمة ودرء الفتن.
فمنذ توليه مشيخة الأزهر في عام 2010، عمل الإمام أحمد الطيب على تجديد الخطاب الديني مع الحفاظ على ثوابت الدين، وواجه التحديات الفكرية المعاصرة بموقف متزن يعكس مدرسة الأزهر التاريخية القائمة على الوسطية والتسامح، لم ينحز الإمام إلى تيارات سياسية أو أيديولوجية، بل ظل وفيًا لرسالته أن يكون الأزهر منارة للعلم الشرعي، والحوار، والتعايش، والرحمة.
ولأن الإمام الطيب لم يساوم على استقلالية الأزهر، ولم يُهادن على حساب القيم العلمية والدينية، أصبح في مرمى نيران من لا يعجبهم صوت الحق المعتدل، سواء كانوا من دعاة التفريط الذين يسعون إلى علمنة المجتمع بالكامل، أو من دعاة الغلو والتطرف الذين يريدون خطف الدين وتطويعه لمآربهم.
ومن يتابع ما يُنشر ضد شيخ الأزهر في بعض المنابر الإعلامية، يلحظ بوضوح أن هذه ليست انتقادات علمية أو آراء موضوعية، بل محاولات لتصوير الإمام وكأنه عائق أمام التقدم أو خصم للتنوير، رغم أن الواقع يُكذّب ذلك ، فالإمام الطيب هو من تصدى لأفكار التكفير، وهو من قاد حوارات دينية مع الفاتيكان وأتباع الأديان الأخرى، وهو من أطلق مبادرات لحماية الأسرة، ومكافحة العنف، ومناصرة قضايا المسلمين المضطهدين.
لقد تحوّل الهجوم على شيخ الأزهر إلى أداة في أيدي بعض القوى التي تريد إضعاف مرجعية المؤسسة الدينية لصالح كيانات أخرى، سواء كانت تتبع أجندات سياسية خارجية أو تتبنى قراءات متطرفة للنصوص. وهذه القوى تدرك أن وجود شيخ للأزهر يتمتع بالعلم والهيبة والاستقلال، يشكِّل حجر عثرة في طريقها.
فالأزهر ليس مجرد مؤسسة تعليمية دينية، بل هو جزء من وجدان الأمة. وعندما يكون على رأس هذه المؤسسة عالم جليل كالإمام الطيب، الذي يجمع بين العمق الفلسفي والتكوين الأزهري الأصيل، فإنه يمثل مرجعية مستقلة ومستنيرة، وهذا ما يُزعج من يريدون احتكار الخطاب الديني أو توظيفه سياسيًا.
إنّ دفاع الإمام الطيب عن قضايا الأمة، وعلى رأسها قضية القدس وفلسطين، ورفضه الانخراط في اصطفافات سياسية، جعله عرضة لحملات التشكيك. كذلك، فإن موقفه الحازم من بعض القوانين الاجتماعية المثيرة للجدل، وتمسّكه بالثوابت الأخلاقية والشرعية، يُفسَّر من قِبل بعض المغرضين على أنه «رجعية»، بينما هو في الحقيقة حرص على اتزان المجتمع.
ما يميّز شيخ الأزهر هو أنه لا يرضخ للضغوط، ولا يساير الرأي العام على حساب ما يراه حقًا. في زمن تتقلب فيه المواقف، وتُشتَرى فيه الأقلام، بقي الإمام الطيب ثابتًا، لا يبيع قناعاته، ولا يسمح بتسييس منبر الأزهر. هذا الثبات، في زمن الالتباس، هو ما يجعل له مكانة خاصة لدى العامة من الناس الذين يرون فيه رجلًا لا يناور، ولا يركض خلف أضواء الإعلام.
لقد شهدنا مواقف عديدة وقف فيها شيخ الأزهر مدافعًا عن الإسلام الصحيح، وضد التكفير، وضد الإلحاد، وضد التفسيرات الشاذة للنصوص. دافع عن المرأة المسلمة دون أن يُفرّط في الضوابط الشرعية، وناصر حقوق الإنسان دون أن يُشوّه تعاليم الدين. كان معتدلًا، لا مداهنًا، ومتزنًا لا متخاذلًا.
إن الدفاع عن شيخ الأزهر ليس دفاعًا عن شخصه فقط، بل هو دفاع عن مؤسسة عمرها أكثر من ألف عام، وعن دورها في حماية المجتمعات من الانحراف والتشدد، وفي الحفاظ على الإسلام الوسطي الذي تتبناه مصر وتصدِّره إلى العالم. هذه الحملات الممنهجة ضده، لن تضعف من مكانته، بل تُظهر مدى تأثيره وخطورته على من لا يريدون لهذا الصوت أن يستمر.
فلينتبه كل الغيورين على الدين والوطن لمثل هذه الحملات وأن يدركوا أن إضعاف الأزهر هو بداية طريق التفكّك الديني والثقافي. فلتكن كلمتنا واضحة: الإمام الطيب هو رمز من رموز الأمة، والهجوم عليه هو طعن في ضميرها الديني والأخلاقي.

تم نسخ الرابط