ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

هل يمكن أن يُحاسب إنسان على جريمة لم تُثبت عليه، فقط لأنه كان في المكان؟ وهل التواجد الزماني والمكاني كافٍ لإثبات النية؟ ثم إذا تعدد المتهمون في واقعة واحدة، وفشل التحقيق في تحديد الفاعل الأصلي، هل يُعقل أن يُحمل الجميع ذات المسؤولية، وكأن القانون يعاقب على الوجود لا الفعل؟

كما تعلم أن الأصل في المسؤولية الجنائية أنها شخصية، لا تُبنى على الظن أو الملابسات العامة، بل على عناصر ثابتة: فعل مادي، وقصد جنائي، وعلاقة سببية. غير أن الممارسة العملية كثيرًا ما تضع القضاء أمام وقائع غائمة، وأحداث متشابكة الأطراف، ويُصبح الوصول إلى الحقيقة أقرب لمحاولة تفكيك ضباب.

ومن التجارب المتكررة الواقعية، أن تأتي جريمة قتل في سياق مشاجرة جماعية، ويُضبط عدد من الأشخاص في مسرح الجريمة، دون أن يُعرف من الذي حمل السكين، أو سدّد الضربة القاتلة، أو حتى من حرّض أو وقف متربصًا. قد نجد أربعة أشخاص على مسرح الجريمة، اثنان منهم يحملان آثار دماء على ملابسهما، والثالث لا يحمل شيئًا، والرابع كان يركض مبتعدًا. في هذا المشهد، قد يُغري الظرف الخارجي باتهام الكل، على سبيل الشيوع، لكن القانون لا يعرف الإدانة بالتجميع. فلا بد من التمييز بين من ساهم فعلًا، ومن تواجد بالصدفة، ومن ارتبك فهرب، ومن صمت لأن الخوف أغلق فمه.

وفي حادثة أخرى، قد يُضبط شخصان في سيارة تقف على أطراف طريق مهجور، وبجوارها جثة. ينهار أحدهما تحت ضغط الاستجواب ويقول إنه "كان موجودًا فقط"، وأن الآخر هو من نفذ الفعل. هنا، قد يندفع البعض لتصديق أحدهما، ولكن منطق القانون يفرض الحذر. فحتى هذا الاعتراف لا يُدين الآخر ما لم يعززه دليل. مجرد التواجد لا يكشف النية، ولا يثبت المساهمة. ومن هنا، فإن الاتهام بالشيوع في مثل هذه الوقائع، دون تمييز في المراكز القانونية، لا يعبّر عن تحقيق عادل، بل عن اختزال للحقيقة.

وإذا ثبت أن ثلاثة أشخاص اتفقوا مسبقًا على ارتكاب جريمة قتل، وتوافر لديهم سبق الإصرار أو الترصد، وظهروا جميعًا على مسرح الجريمة وقت التنفيذ، لكن تعذر تحديد من منهم باشر الفعل المادي، فإنهم يُعتبرون شركاء في الجريمة، ويُعاقب كل منهم كفاعل أصلي، استنادًا إلى اتحاد النية وتكامل الأدوار، وليس إلى الشيوع في الاتهام.

لكن في المقابل، ثمة حالات تفتقد هذا اليقين، مثل ما يحدث في بعض الجرائم الإلكترونية، حيث تُهاجم أنظمة إلكترونية معقدة، وتُحوّل مبالغ مالية كبيرة من حسابات عملاء، ويُكتشف أن أكثر من شخص استخدموا بيانات الدخول والصلاحيات ذاتها، عبر وسائل تشفير قوية وبرامج إخفاء الهوية مثل VPN، في توقيتات متقاربة يصعب معها تحديد من ضغط زر التحويل. إن مثل هذا المثال الافتراضي يُعبّر بوضوح عن الشيوع في المسؤولية، لا عن الاشتراك، لأن المشكلة ليست في تعدد الأدوار بقدر ما هي في تعذر التحديد الحاسم للفاعل، ما يخلق حالة من الغموض التقني والقانوني، ويجعل الإدانة بحاجة ليقين لا تحتمله بيئة الشك الرقمي.

ومن الميدان، نلاحظ ممارسات أمنية أو تحقيقية تُحيل كل من كان في دائرة الاشتباه إلى المحاكمة، ظنًّا أن المحكمة قد تُميز لاحقًا. لكن هذا يتنافى مع فلسفة الاتهام، لأن مجرد الإحالة للمحكمة تشكّل عبئًا نفسيًا وقانونيًا على الشخص، وتُضعف قرينة البراءة. ومن ثم، فإن المسؤولية في مثل هذه القضايا ليست فقط على القاضي، بل تبدأ من النيابة والتحقيق، حيث يجب غربلة الوقائع وتنقيحها.

ولا يمكن إغفال أن بعض المحاكمات الجماعية السابقة قد حملت في طياتها هذا الخلل، حيث أدين أشخاص لمجرد تواجدهم، أو انتمائهم لمكان أو جماعة أو لحظة، دون أن تُفكك المحكمة أدوارهم، أو تزن كل فعل على حدة. هذه الإدانة بالتكتل، وإن كانت تُرضي شعورًا بالعدالة اللحظية، إلا أنها على المدى الطويل تُزعزع ثقة الناس في القانون، وتُظهره أداة قمع لا ميزان حق.

وفي المقابل، فإن مسؤولية القاضي في مثل هذه الملفات لا تقل خطورة. لأنه يقف أمام مسرح جريمة لم يرَه، ووقائع مرّت عليه في محاضر وأقوال متعارضة. مهمته أن يفكك الزحام، ويُخرج من الظلال مَن شارك، ويُبرئ من لم تثبت عليه "اليد أو النية". لأن العدالة الحقيقية، كما تعلم، لا تُقام بإدانة الجميع خشية الإفلات، بل بتبرئة من لم يشارك ولو على حساب فرار الجاني الحقيقي.

إن مبدأ الشيوع في الاتهام لا يجوز أن يُستخدم كأداة لتعميم المسؤولية الجنائية، ولا أن يُختزل في معادلة حضور جماعي يعني تواطؤًا جماعيًا. فبين" الاشتراك"الحقيقي الذي تُثبته الأدلة، والشيوع الذي يُفترض في غياب التحديد، تقع مساحة قانونية دقيقة، لا تحتمل التوسّع.

تم نسخ الرابط