صدق من قال »الطفولة براءة« هى لا تعرف الحواجز التى وضعتها المجتمعات على أبنائهم.. وأتبعوهم بتصنيفات حسبما الأصل والثروة والنفوذ.. وفرضت عليهم قيودا عند التعامل تراعى هذه الفروق تحت ستار القاعدة المعروفة »الناس مقامات«.
تبادرت العبارة إلى ذهنى.. نشطت الذاكرة.. خرجت الإشارات متصاعدة من العقل مثيرة لاهتمام القلب والفؤاد.. عندما افتقدت فيلا شامخة كانت تسطع أضواءها خلال سنوات الطفولة فى هذا المكان.. وانها أزيلت لصالح توسعة الطريق المؤدى إلى محطة القطار.. كما اننى بالتأكيد موجود فى موقعها.. محاطا بالذكريات وعلامات الاستفهام ومواقف كنت شاهدا عليها ومحطات حوار تناولت أمورا وأحداثا فوق اهتمامات الصغار.
الفيلا من دورين فيما أذكر وحديقة متوسطة المساحة.. لكنها مليئة بأشجار الفاكهة المتنوعة ملحق بها فى الخلف سلاملك.. يصعد له بسلم خاص حيث تسكن مربية أبناء الباشا الثلاثة »ولدان وبنت« ومعها طاقم من الخدم والحشم.. ملابسهم الخاصة تعبر عن وظيفتهم بالفيلا ورغم انها مشغولة بالسكان إلا انك إذا مررت بجوارها لا تشعر بحركة أو تسمع صوتا.
ولأن الابن الأصغر الذى يذهب إلى المدرسة الأجنبية فى عمرنا نحن التلاميذ أبناء الغلابة.. فى مثل عمرنا تقريبا يتشوق للانضمام لمدرسة »الطفولة براءة« اعتاد الجلوس فى الحديقة.. يطالع القصص المصورة أو يرسم أحيانا أو يجلس صامتا.. يبحث عن أنيس فى جميع الأحوال وهى الرغبة التى التقت مع أمنياتنا القفز فوق أشجار الفاكهة واقتناص ما نقدر عليه من ثمار.. هو يملك الوقت حسب جدول محدد.. ونحن جاهزو الحجة للعودة إلى مساكننا متأخرين ونضيف اننا نذهب ونعود للمدرسة على أقدامنا للتوفير.
كان لابد للقاء أن يحدث ويتحول بسرعة إلى مجموعة من الأصدقاء.. همنا الأول إلغاء المسافات الفاصلة بيننا والتى يشعر بها الجميع.. ونبدأ بتحديد الخلافات التى تفصلنا.. وفى قلب كل منا احساس بإمكانية الحلم المشترك.. رابطا قويا وأن تبدأ التجربة من باب التعاون المشترك فى الشأن المدرسى لعل الأمر ينجح ويفيد.
لاحظنا ان العلاقات تنمو مع الابن الصغير للباشا.. ولم نشعر برقابة ما أو تدخل يعكر الصفو من جانب الخدم مثلا.. مع ازدياد تجاوب الابن مع مغامرات البحث عن الفاكهة.. مطالباً بنصيبه منها بالتمام والكمال.. وربما كنت أنا من اضاف لجلسة الحديقة.. استثمارها فى المذاكرة وعمل الواجبات المنزلية.. وهى مهمة رحب بها ابن الباشا كثيرا.. عرض أن يشرح لنا تضاريس اللغة الانجليزية مقابل ردها له فى العربى والحساب.
وقبل أن نرفع اعلام الصداقة بقليل.. فوجئنا بأن الرياح تأتى دائما بما لا تشتهى السفن.. كنا نجلس عند الباب الخلفى للحديقة.. عندما اختارت الهانم زوجة الباشا الدخول منه إلى الفيلا.. صرخت عندما شاهدتنا متسائلة.. الولاد دول دخلوا إزاى؟.. امتلأ المكان بالخدم صامتين يرتعشون من الخوف.. بينما تدخل الابن شجاعا.. انهم أصحابى يا مامى.. لم تجب.. واصلت الدخول حتى اختفت فى الطابق الثانى.. حاولنا جمع كتبنا وحقائبنا للفرار.. لكن فاعليات الشجاعة لم تنته بعد.. قائلاً.. انتظرونى هنا ولننقل مجلسنا المفضل إلى مدخل الفيلا.
اكتملت المفاجأة بعد دقائق.. عاد يتقدمه السفرجى الأسمر حاملا صينية حلويات شرقية.. ربما لم نسمع عنها نحن الصغار بعدها بقليل جاءت المربية الأجنبية حاملة أكواب الشاى تحمل المشروب الساخن بأعداد الجميع.. شربنا وأكلنا وغادرنا على غير موعد ألا نعود من جديد.. لكنها رغبة زائفة رفضها الجميع.. أيام قليلة.. عدنا الواحد تلو الآخر.. نلمح السعادة فى وجه ابن الباشا الذى صحبنا هذه المرة وما بعدها إلى غرفته الخاصة بالدور الأول.. حيث تواجدت الكراسى والمنضدة الكبيرة.. وبدأنا المرحلة التالية للتحول إلى صداقة المعرفة وتبادل الآراء والكشف عن الهواية المحبوسة بداخلنا.. وأعترف ان ابن الباشا تولى الإشراف والتنسيق.. يضيف أحيانا إلى لوحة الرسم بضربات الريشة الموهوبة.. ما يمكن أن يصبح زهرة أو منظرا طبيعىا أو وجها لأحدنا.. وأحيانا لوحة متداخلة الألوان.. سيرالية يصعب فهمها علينا نحن الصغار.
ولأن الحال غالبا لا يدوم وبعد سنوات دراسية تواصلت علاقاتنا وأصبحنا شلة متكاملة الأركان فوجئنا ذات يوم بإعلان صغير على باب الفيلا يفيد عرضها للبيع.. ومعها للأسف أصبح السلاملك خاليا من المربية والخدم وأصبح السلاملك مسكنا مستقلا لوكيل مكتب البريد القريب وأسرته.. ظللنا نبحث عن السكن الجديد لعائلة الباشا التى علمنا بعد شهور انه فى إحدى العمارات الجديدة بالضاحية الجميلة.. وكلفنا أحدنا بالتقصى.. أفاد ان ابن الباشا ترك الدراسة تماما.. وانحصرت حياته فى العيش مع شقيقه الأكبر فى السكن الجديد.. لم يكمل مسيرة التعليم وحاول التعويض بشراء الصحف والمجلات العالمية للاطلاع على أخبار الدنيا وما فيها من جديد.. كما انفصل عن أمه التى عاشت فى مسكن آخر مع شقيقته الصغرى التى أكملت دراستها الجامعية.. ورحبت بها إحدى شركات الطيران الكبرى مضيفة قديرة تجيد 3 لغات.
ظلت الحكاية بداخل القلب والعقل ملفا مفتوحا حتى حان الأوان.. كنت أطالع صحف الصباح لأجد خبرا عن فنان شاب رحل بأزمة قلبية ومن بين ما ترك لوحة زيتية لم تكتمل أطلق عليها »الأصدقاء« وانها وصلت لمزاد شهير لتحقق المفاجأة.. السعر الأكبر للوحات المعروضة حتى الآن.. تأكدت من الخبر ان صديقى ابن الباشا قد ارتاح الآن.. قرأت له الفاتحة ثم ذهبت للمكان لأجد ان الفيلا اختفت وحل محلها الذكريات.