كان ذلك اليوم مختلفًا، الرُّول كأنما اجتمع فيه ثِقلُ الأسبوع كلّه. قضايا مُتراكبة، ومرافعات تتلاحق كأنها لا تنوي الصمت. طالت الجلسة العلنية، وامتد أثرها إلى المداولة، فتقاسَمنا التَعب كما يتقاسَم المجتهدون أماناتهم، وتحاملنا على إرهاقنا بصبر القضاة، وأنهينا ما كُلّفنا به، فخرجنا بشعورٍ عجيب: تَعبٌ يغمرُه الرضا، وإنهاكٌ يُوشِّيه سُكون النفس.
بين المحكوم عليهم شابٌ يافع، تُهمته إحداث عاهة. ضربة منه أفقدت خَصمه سُلامية إصبع. شِجار بين جارين. لا سوابق. لا تصميم سابق. لا نيَّة مُبيتة. جنايته كانت في لحظة غَلبة.
تداولنا أمره، واستعملنا معه الرأفة. قضينا بمعاقبته بالحبس سنتين مع الشغل، وهي عقوبة نُخففها إلى سنة واحدة عادةً إنْ كان ثمة صلح، ولم يكن.
ثم جاء وقتُ النطق بالأحكام. كان الرول مزدحمًا بأحكام مخفَّفة، كلها سنة، سنة، سنة… ومضيتُ أقرأ: فلان... سنة. فلان... سنة. حتى وصلتُ إلى اسم ذلك الشاب، فنطقتُ، دون تردُُّد: سنة. ثم تابعتُ النطق حتى فرغتُ منها.
غادرتُ القاعة دون ارتياب، راضيا بما بدا لي أنه عدل. لكن ما إنْ دلفتُ إلى غرفة المداولة، حتى بادرتني دهشة زملائي: يا ريس... الولد فلان محكوم عليه بسنتين!
أعدتُ النظر في الرول، فإذا المكتوب: الحبسُ سنتين! وقفتُ مذهولا. كيف قرأتُ سنة؟ كيف نطقتُ بها؟ لم تكن أول مرة أنطقُ فيها أحكاما متقاربة، فكيف خانتني عيناي هذه المرة؟ ولماذا انساق لساني وراء وَهْم التكرار؟
وفي غَمرة دهشتي، تمتم زملائي: "ربما كنتَ الناطق... لكن من أنطقَ لسانكَ، لم يُنطقك بما كُتب، بل بما أراد الله أن يُقال".
لم تكد الكلماتُ تستقر، حتى دخل الحاجب معلنا: شخص يريد الدخول.
دخل الشاب بملامح متوترة، ولكن بصوتٍ هادئ قال:
- أنا المجني عليه في رول كذا.
سألته:
- الجلسة انتهت، فما حاجتك؟
قال:
- جئت لأُعلن الصلح مع المتهم...
- من هو؟
- فلان...!!
تجمَّدتُ. هو نفسه... صاحب الحكم الذي نطق به لساني وليس أنا، نطق بالحبس سنة، رغم أنَّ ما كتبَتهُ بيدي كان سنتين.
يا الله... أي يدٍ خفية كتبَت هذا المشهد؟ لم نكن نعلم أمر الصلح فقضينا بعقوبة أشد قليلا، وكان الله يعلمه، فأنطقَ لساني بما لم تكتبُه يدي. لم نكن نُبصر، لكنه سبحانه كان يُبصر لنا.
في تلك اللحظة أدركتُ: لم أكن أنا من نطَق. كنت مجرّد لسانٍ ساقه الله لما شاء.هو من حكَم بعدله ولطفه، قبل أن يُكتب الحبر، ويُسمَع الصوت، أيّ يقين هذا الذي يداهم القاضي حين يُوقنُ أنَّ منصة الحكم ليست معزولة عن السماء؟
نظن أننا نحكم بالأدلة، وبالقرائن، وبما استقر في أوراق الدعوى، لكن الله يحكم بالنور. يقيم العدلَ حين تغفل أعيننا، ويُجري الحق على ألسنتنا دون أن نشعر.
لم يكن اللسانُ لساني، ولم تكن الكلمة كلمتي. كانت نفحة من الغَيب، كتبَتها يدُ الله الرحيمة في لحظةٍ لم ننتبه لها، لكنها غيَّرت ميزان الحكم.
ذلك اليوم لم يكن عابرًا. بل كان آية من آيات عدلِه، تُسجَّلُ لا في دفاتر القضاء فقط، بل في كتاب اليقين. وسُطِّرت في قلوبنا آية: "وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من مجموعة: الله فوق المنصَّة.