ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

كان ذلك اليوم مختلفًا، الرُّول كأنما اجتمع فيه ثِقلُ الأسبوع ‏كلّه. قضايا مُتراكبة، ومرافعات تتلاحق كأنها لا تنوي ‏الصمت. طالت الجلسة العلنية، وامتد أثرها إلى المداولة، فتقاسَمنا ‏التَعب كما يتقاسَم المجتهدون أماناتهم، وتحاملنا على إرهاقنا بصبر ‏القضاة، وأنهينا ما كُلّفنا به، فخرجنا بشعورٍ عجيب: تَعبٌ يغمرُه الرضا، ‏وإنهاكٌ يُوشِّيه سُكون النفس.‏

       بين المحكوم عليهم شابٌ يافع، تُهمته إحداث عاهة. ضربة ‏منه أفقدت خَصمه سُلامية إصبع. شِجار بين جارين. لا سوابق. لا ‏تصميم سابق. لا نيَّة مُبيتة. جنايته كانت في لحظة غَلبة. ‏

       تداولنا أمره، واستعملنا معه الرأفة. قضينا بمعاقبته بالحبس ‏سنتين مع الشغل، وهي عقوبة نُخففها إلى سنة واحدة عادةً إنْ كان ثمة ‏صلح، ولم يكن. ‏

       ثم جاء وقتُ النطق بالأحكام. كان الرول مزدحمًا بأحكام ‏مخفَّفة، كلها سنة، سنة، سنة… ومضيتُ أقرأ: فلان... سنة. فلان... ‏سنة. حتى وصلتُ إلى اسم ذلك الشاب، فنطقتُ، دون تردُُّد: سنة. ثم ‏تابعتُ النطق حتى فرغتُ منها.‏

      غادرتُ القاعة دون ارتياب، راضيا بما بدا لي أنه عدل. لكن ‏ما إنْ دلفتُ إلى غرفة المداولة، حتى بادرتني دهشة زملائي: يا ريس... ‏الولد فلان محكوم عليه بسنتين!‏

        أعدتُ النظر في الرول، فإذا المكتوب: الحبسُ سنتين! ‏وقفتُ مذهولا. كيف قرأتُ سنة؟ كيف نطقتُ بها؟ لم تكن أول مرة ‏أنطقُ فيها أحكاما متقاربة، فكيف خانتني عيناي هذه المرة؟ ولماذا انساق ‏لساني وراء وَهْم التكرار؟ ‏

       وفي غَمرة دهشتي، تمتم زملائي: "ربما كنتَ الناطق... لكن ‏من أنطقَ لسانكَ، لم يُنطقك بما كُتب، بل بما أراد الله أن يُقال". ‏

        لم تكد الكلماتُ تستقر، حتى دخل الحاجب معلنا: شخص ‏يريد الدخول.‏
دخل الشاب بملامح متوترة، ولكن بصوتٍ هادئ قال: ‏

‏- أنا المجني عليه في رول كذا.‏
سألته:‏
‏- الجلسة انتهت، فما حاجتك؟
قال:‏
‏- جئت لأُعلن الصلح مع المتهم...‏
‏- من هو؟
‏- فلان...!!‏

         تجمَّدتُ. هو نفسه... صاحب الحكم الذي نطق به لساني ‏وليس أنا، نطق بالحبس سنة، رغم أنَّ ما كتبَتهُ بيدي كان سنتين. ‏

       يا الله... أي يدٍ خفية كتبَت هذا المشهد؟ لم نكن نعلم أمر ‏الصلح فقضينا بعقوبة أشد قليلا، وكان الله يعلمه، فأنطقَ لساني بما لم ‏تكتبُه يدي. لم نكن نُبصر، لكنه سبحانه كان يُبصر لنا.‏

       في تلك اللحظة أدركتُ: لم أكن أنا من نطَق. كنت مجرّد ‏لسانٍ ساقه الله لما شاء.هو من حكَم بعدله ولطفه، ‏قبل أن يُكتب الحبر، ويُسمَع الصوت،  أيّ يقين هذا الذي يداهم القاضي حين يُوقنُ أنَّ منصة ‏الحكم ليست معزولة عن السماء؟ ‏

       نظن أننا نحكم بالأدلة، وبالقرائن، وبما استقر في أوراق ‏الدعوى، لكن الله يحكم بالنور. يقيم العدلَ حين تغفل أعيننا، ‏ويُجري الحق على ألسنتنا دون أن نشعر.‏

       لم يكن اللسانُ لساني، ولم تكن الكلمة كلمتي. كانت نفحة ‏من الغَيب، كتبَتها يدُ الله الرحيمة في لحظةٍ لم ننتبه لها، لكنها غيَّرت ميزان ‏الحكم.‏

      ذلك اليوم لم يكن عابرًا. بل كان آية من آيات عدلِه، ‏تُسجَّلُ لا في دفاتر القضاء فقط، بل في كتاب اليقين. وسُطِّرت في قلوبنا ‏آية: "وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا".‏
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
من مجموعة: الله فوق المنصَّة.

تم نسخ الرابط